03 , يوليو 2026

القطيف اليوم

الرموز الدينية في آثار شرق الجزيرة العربية

تكشف دراسة الرموز الدينية في شرق الجزيرة العربية عن مؤشرات علمية تدعم الرأي القائل بأن المجتمعات التي عاشت في هذه المنطقة لم تكن مجرد متلقٍ سلبي للتأثيرات الحضارية القادمة من المراكز الرئيسة في الشرق الأدنى القديم، بل امتلكت منظومة فكرية ودينية خاصة أسهمت في تشكيل هويتها الحضارية المتميزة. فالموقع الجغرافي الذي توسط طرق التجارة البحرية بين بلاد الرافدين ووادي السند وإيران القديمة جعل المنطقة فضاءً مفتوحًا للتفاعل الحضاري، غير أن هذا الانفتاح لم يؤدِّ إلى ذوبان الشخصية الثقافية المحلية، بل أسهم في إنتاج منظومة رمزية ذات طابع خاص جمعت بين التأثيرات الخارجية والعناصر المحلية في إطار ديني متماسك.¹

وتبرز الرموز الدينية لشرق الجزيرة العربية من خلال طبيعة الرموز الأثرية المكتشفة في مواقع دلمون وتاروت ودارين وثاج والدفي وجاوان ومدافن الظهران وغيرها من المواقع التي كشفت عن عالم رمزي غني ومتعدد الدلالات. فالرموز الفلكية والحيوانية والنباتية والأنثوية التي ظهرت في هذه المواقع لا يمكن النظر إليها بوصفها مجرد عناصر زخرفية أو أشكال فنية معزولة عن سياقها الثقافي، بل تمثل تعبيرًا بصريًا عن رؤية دينية متكاملة للكون والإنسان والطبيعة.²

ومن خلال تحليل هذه الرموز يتضح أن الفكر الديني في المنطقة قام على إدراك عميق للعلاقة بين الإنسان والبيئة المحيطة به. فالبحر الذي شكّل المصدر الرئيس للرزق والتواصل التجاري لم يكن مجرد عنصر اقتصادي، بل تحول إلى مكوّن أساسي في الخيال الديني للمجتمعات المحلية. وقد انعكس ذلك في الرموز المرتبطة بالماء والأسماك والكائنات البحرية، والتي يُحتمل أنها اكتسبت دلالات تتجاوز بعدها الطبيعي لتصبح مرتبطة بالوفرة والحماية والاستمرارية، وإن كان غياب النصوص المحلية المباشرة يجعل تفسير هذه الدلالات قائمًا على المقارنة الحضارية أكثر من كونه حقيقة مثبتة بصورة قاطعة.³

كما تكشف الرموز الفلكية عن جانب مهم من هذه الخصوصية. فقد احتلت الشمس والقمر والنجوم مكانة بارزة في النتاج الفني والرمزي للمجتمعات القديمة في الخليج العربي، غير أن دلالاتها لم تكن مطابقة بالضرورة لما هو معروف في الحضارات المجاورة. فارتباط سكان المنطقة بالملاحة البحرية والتجارة عبر الخليج العربي والمحيط الهندي منح الأجرام السماوية أهمية عملية مباشرة، الأمر الذي انعكس على مكانتها الدينية والرمزية. ومن ثم فإن الرموز الفلكية في شرق الجزيرة العربية لا تمثل مجرد امتداد للرمزية الرافدية، بل تعكس أيضًا تجربة محلية خاصة تشكلت في إطار البيئة البحرية ومتطلبات الحياة الاقتصادية.⁴

وتبرز الخصوصية الدينية كذلك في رموز الخصوبة والإنجاب التي احتلت مكانة مهمة في النتاج الأثري للمنطقة. فالتماثيل الأنثوية والرموز المرتبطة بالنماء والتجدد تكشف عن اهتمام واضح باستمرار الحياة وضمان استقرار الجماعة البشرية. إلا أن هذه الرموز لا ينبغي تفسيرها بصورة آلية وفق النماذج المعروفة في حضارات الشرق الأدنى القديم، لأن السياق المحلي يفرض قراءة أكثر حذرًا. فالمجتمعات الخليجية القديمة لم تكن مجتمعات زراعية بالمعنى التقليدي، بل كانت تعتمد بدرجات متفاوتة على التجارة البحرية وصيد الأسماك واستخراج اللؤلؤ. ولذلك فإن مفهوم الخصوبة في هذه المجتمعات يبدو أكثر شمولًا واتساعًا، إذ ارتبط بوفرة الموارد البحرية واستمرارية النشاط التجاري بقدر ارتباطه بالإنجاب البشري.⁵

ومن أبرز مظاهر الخصوصية الدينية في المنطقة المكانة الاستثنائية التي احتلتها دلمون في الفكر الديني القديم. فقد صُورت دلمون في النصوص الرافدية بوصفها أرضًا مقدسة ونقية ترتبط بالخلود والحياة المتجددة، وهو وصف لم تحظَ به كثير من المناطق الأخرى في الشرق الأدنى القديم. ورغم أن هذه النصوص كُتبت خارج المنطقة، فإنها تعكس إدراكًا واسعًا لأهمية دلمون الدينية والحضارية. كما أن المكتشفات الأثرية في شرق الجزيرة العربية تشير إلى أن هذه المكانة لم تكن مجرد صورة أدبية، بل ارتبطت بواقع ثقافي وديني جعل من المنطقة مركزًا مهمًا للتفاعل بين الأفكار والمعتقدات المختلفة.⁶

وتكشف دراسة المدافن الدلمونية بصورة خاصة عن عمق التصورات الدينية المتعلقة بالموت والعالم الآخر. فالانتشار الواسع للمدافن الضخمة وما صاحبها من لقى جنائزية متنوعة يشير إلى وجود منظومة عقائدية معقدة تتعلق بالحياة بعد الموت. وتدل هذه الشواهد على أن الموت لم يكن يُنظر إليه بوصفه نهاية مطلقة للوجود، بل مرحلة انتقالية ضمن دورة أوسع للحياة والتجدد. ومن ثم فإن كثيرًا من الرموز المكتشفة في السياقات الجنائزية يمكن تفسيرها في ضوء هذه التصورات المرتبطة بالبعث والاستمرارية والخلود.⁷

وتتمثل إحدى أهم نتائج هذه الدراسة في أن الرموز الدينية في شرق الجزيرة العربية تعكس تفاعلًا حضاريًا أكثر تعقيدًا مما كان يُعتقد سابقًا. فالتشابه القائم بين بعض الرموز المحلية ونظيراتها في بلاد الرافدين أو إيران القديمة أو وادي السند لا يعني بالضرورة انتقال المعاني نفسها بصورة كاملة، إذ تشير دراسات التفاعل الحضاري والأنثروبولوجيا الرمزية إلى أن الرموز قد تنتقل بين المجتمعات، في حين تخضع دلالاتها لإعادة تفسير بما يتوافق مع البيئة الثقافية والاجتماعية للمجتمع المستقبل. ومن هذا المنطلق، يبدو أن المجتمعات المحلية في الخليج العربي لم تكتفِ باستعارة الرموز الخارجية، بل أعادت إنتاجها ومنحتها دلالات تنسجم مع احتياجاتها الاقتصادية والاجتماعية والدينية.⁸

كما تكشف الدراسة أن الخصوصية الدينية للمنطقة لم تتجسد في رموز منفردة بقدر ما تجلت في الطريقة التي اندمجت بها هذه الرموز داخل منظومة فكرية واحدة. فالشمس والقمر والنجوم والحيوانات والنباتات والتماثيل البشرية لم تكن عناصر مستقلة عن بعضها، بل شكّلت شبكة رمزية مترابطة عبّرت عن رؤية شاملة للكون تقوم على التوازن بين الإنسان والطبيعة والقوى المقدسة. وتمثل هذه الرؤية أحد أبرز الملامح الحضارية التي ميزت مجتمعات شرق الجزيرة العربية خلال العصور القديمة.⁹

وعلى المستوى المنهجي، تؤكد الدراسات أهمية تجاوز التفسيرات التقليدية التي اختزلت تاريخ المنطقة الديني في كونه انعكاسًا مباشرًا للحضارات المجاورة، إذ لا ينسجم هذا الطرح مع حجم الشواهد الأثرية المكتشفة خلال العقود الأخيرة، ولا مع ما تكشفه من تنوع في الممارسات والرموز والسياقات الطقسية. ومن ثم، فإن فهم الدين في شرق الجزيرة العربية  يقتضي النظر إلى المنطقة بوصفها مركزًا حضاريًا فاعلًا امتلك قدرة واضحة على إنتاج الرموز وإعادة تشكيلها في إطار بيئته الثقافية الخاصة10 .

وفي ضوء ذلك يمكن القول إن الخصوصية الدينية لشرق الجزيرة العربية تمثلت في قدرتها على بناء منظومة رمزية جمعت بين المحلي والعالمي، وبين التأثير الخارجي والإبداع الداخلي، وبين البيئة الطبيعية والتصورات الميتافيزيقية. وقد أسهمت هذه المنظومة في تشكيل هوية دينية متميزة، ما تزال ملامحها حاضرة في النتاج الفني والأثري الذي وصل إلينا، وتشكل اليوم أحد أهم مفاتيح فهم تاريخ المعتقدات في الخليج العربي القديم.

وبذلك تكشف الرموز الأثرية في شرق الجزيرة العربية عن مجتمع امتلك رؤية دينية خاصة للعالم، رؤية لم تكن معزولة عن محيطها الحضاري، لكنها لم تكن تابعة له أيضًا، بل قامت على التفاعل الخلاق مع المؤثرات الخارجية وإعادة توظيفها بما ينسجم مع البيئة المحلية. ومن ثم، فإن دراسة هذه الرموز لا تسهم في فهم التاريخ الديني للمنطقة فحسب، بل تقدم كذلك إطارًا علميًا لإعادة تقييم مكانة حضارات الخليج العربي في تاريخ الشرق الأدنى القديم، بوصفها حضارات أسهمت في إنتاج الأفكار والرموز، كما أسهمت في نقلها وتطويرها عبر شبكات التواصل الحضاري التي ربطت الخليج بمحيطه الإقليمي على مدى آلاف السنين.

Uploaded Image

Uploaded Image

Uploaded Image

Uploaded Image

Uploaded Image

Uploaded Image

المصادر
¹ دانيال بوتس، الخليج العربي في العصور القديمة، المجلد الأول (أكسفورد: دار كلارندون، 1990)، ص 11–37؛ هارييت كروفورد، دلمون وجيرانها في الخليج (كامبريدج: مطبعة جامعة كامبريدج، 1998)، ص 1–24.
² ستيفن لاورسن، دلمون المبكرة وحكامها (لايدن: المعهد الهولندي للشرق الأدنى، 2017)، ص 15–32.
³ هارييت كروفورد، دلمون وجيرانها في الخليج، ص 103–121؛ دانيال بوتس، الخليج العربي في العصور القديمة، المجلد الأول، ص 147–163.
⁴ مايكل رايس، بحرين القديمة: تاريخ وتراث جنة اللؤلؤ (لندن: كيغن بول إنترناشونال، 1994)، ص 67–84.
⁵ هارييت كروفورد، دلمون وجيرانها في الخليج، ص 122–138.
⁶ جيفري بيبي، آثار البحرين (لندن: تيمز آند هدسون، 1969)، ص 220–228؛ هارييت كروفورد، دلمون وجيرانها في الخليج، ص 103–121.
⁷ فليمينغ هولوند، مدافن البحرين (آرهوس: مطبعة جامعة آرهوس، 2007)، ص 89–116.

⁸ دانيال بوتس، الخليج العربي في العصور القديمة، المجلد الثاني (أكسفورد: دار كلارندون، 1990)، ص 289–322؛ كليفورد غيرتز، تفسير الثقافات (نيويورك: بيسك بوكس، 1973)، ص 87–125.
⁹ هارييت كروفورد، دلمون وجيرانها في الخليج (كامبريدج: مطبعة جامعة كامبريدج، 1998)، ص 139–158؛ ستيفن لاورسن، دلمون المبكرة وحكامها (لايدن: المعهد الهولندي للشرق الأدنى، 2017)، ص 145–178.
¹⁰ دانيال بوتس، الخليج العربي في العصور القديمة، المجلد الثاني، ص 305–340؛ فليمينغ هولوند، مدافن البحرين (آرهوس: مطبعة جامعة آرهوس، 2007)، ص 201–226.

ا¹Daniel T. Potts, The Arabian Gulf in Antiquity, Vol. I (Oxford: Clarendon Press, 1990), 11–37؛ Harriet Crawford, Dilmun and Its Gulf Neighbours (Cambridge: Cambridge University Press, 1998), 1–24.
²Steffen Laursen, Early Dilmun and Its Rulers (Leiden: Nederlands Instituut voor het Nabije Oosten, 2017), 15–32.
³Harriet Crawford, Dilmun and Its Gulf Neighbours, 103–121؛ Daniel T. Potts, The Arabian Gulf in Antiquity, Vol. I, 147–163.
⁴Michael Rice, Ancient Bahrain: The History and Heritage of a Pearling Paradise (London: Kegan Paul International, 1994), 67–84.
⁵Harriet Crawford, Dilmun and Its Gulf Neighbours, 122–138.
⁶Geoffrey Bibby, The Archaeology of Bahrain (London: Thames and Hudson, 1969), 220–228؛ Harriet Crawford, Dilmun and Its Gulf Neighbours, 103–121.
⁷Flemming Højlund, Burial Mounds of Bahrain (Aarhus: Aarhus University Press, 2007), 89–116.
⁸ Daniel T. Potts, The Arabian Gulf in Antiquity, Vol. II (Oxford: Clarendon Press, 1990), pp. 289–322؛ Clifford Geertz, The Interpretation of Cultures (New York: Basic Books, 1973), pp. 87–125.
⁹ Harriet Crawford, Dilmun and Its Gulf Neighbours (Cambridge: Cambridge University Press, 1998), pp. 139–158؛ Steffen Laursen, Early Dilmun and Its Rulers (Leiden: Nederlands Instituut voor het Nabije Oosten, 2017), pp. 145–178.
¹⁰ Daniel T. Potts, The Arabian Gulf in Antiquity, Vol. II, pp. 305–340؛ Flemming Højlund, Burial Mounds of Bahrain (Aarhus: Aarhus University Press, 2007), pp. 201–226.

——

أزهر عبدالله التوبي – باحث آثار


error: المحتوي محمي