كان في بيتنا نسخة من كتاب اسمه "الجمرات الودية في المودة الجمرية" وأكاد أجزم أن كل بيت يوجد فيه نسخة من هذا الكتاب. مؤلف الكتاب الشاعر المرحوم ملّا عطيّة الجمري.
ملّا عطيّة الجمري، شاعر وخطيب من الشعراء المعاصرين، توفي يوم الجمعة 30 شوال 1401 هـ / 30 أغسطس 1981م في مومباي بالهند في رحلة علاجية، ودفن بمسقط رأسه ببني جمرة.
لكلّ شاعر نصيب من فنّ الشعر، و ملا عطيّة من الشعراء الذين خلد اسمهم في الرثاء فتراه تارةً في شعر الشجاعة يصف ضجيجَ الحرب أن جمعًا غفير يقاتلون شابًّا فارسًا مغوار انفردوا به وهو يفعل بهم ما لا يفعله الصنديد من الرجال، ثم في نهاية القصيدة يتحول ضجيج السيوف إلى ضجيج بكاء في مشهدٍ من أعظم المشاهد حزنا!
لكل شاعر ظروف تصنعه، وأنا لا أدعي معرفة الظروف التي جعلت منه شاعرا، إنما كما ينقل أن جمال صوته وحفظه للقصائد والحياة الصعبة التي عاشها كانت بعضًا من أسباب تفجر قريحته بالشعر. يستطيع القراء الكرام أن يجدوا تفاصيل حياة الملّا عطيّة ونكات من حياته المدونة.
ثمة هناك هبة من الله، وهو "التوفيق" الذي سببه النية الصادقة والإخلاص لله في عمل الخير. شاعر يتغزل، شاعر يمدح، ثالث يذم وكلهم لهم نصيب من أشعارهم. يذهبون إلا من كان له نصيب من "التوفيق".
{ وَٱلشُّعَرَآءُ يَتَّبِعُهُمُ ٱلْغَاوُونَ } * { أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ } * { وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لاَ يَفْعَلُونَ } * { إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ وَذَكَرُواْ ٱللَّهَ كَثِيراً وَٱنتَصَرُواْ مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ وَسَيَعْلَمْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوۤاْ أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ }. استثناء من الشعراء المذمومين فمن هم المستثنون؟ الآية تذكرهم؛ آمنوا، عَملوا الصالحات، ذَكروا الله كثيرا، انتَصروا من بعد ما ظلموا!
أغلب الناس عندما تحين ساعتهم ينُسون وبعض الناس تتجدد حياتهم يومًا بعد يوم وعاما بعد عام! أعمالهم تنمو وتتمدد في التاريخ وتصبح مثل الماء والهواء في ثقافة الإنسان، لا غنى عنها وإن سكن صاحبها التراب وعُفي أثره من الدنيا.
لا تذهل فلربما بعد عقود ترى شعراء من هذا الجيل يكونون في رقي من ملا عطية لأن المرء يذكر غالبًا بعد موته، أما إذا كان حيا قليلٌ من يذكره! في الجيل الحاضر شعراء - من القطيف - جديرون بأن تذكر أشعارهم فمن يدري لعل واحدا منهم يكون النسخة الثانية من ملا عطية أو غيره من الشعراء اللامعين!



