تُفتح الأبواب وتمضي المركبات في طرقها ويعود الناس إلى أعمالهم حتى يخيل للعابر أن الأيام العشرة أصبحت وراءه.
غير أن موضع التأمل يبدأ هنا.
فالمواسم الكبيرة لا تنقضي بانقضاء أيامها وإنما تترك في المدن ما يمتد أثره إلى ما بعدها.
ولعل هذا أكثر ما استوقفني في عاشوراء هذا العام.
فما كان مجلسًا بعينه ولا خطيبًا بعينه ولا كثرة الحضور.
استوقفتني القطيف نفسها.
استوقفتني مدينة بدت وكأنها تؤدي عملًا واحدًا على الرغم من كثرة من حملوه وتباين مواقعهم وتعدد مسؤولياتهم.
وهنا يكمن في تقديري المعنى الذي أثبتته عاشوراء.
فالأعمال التي ينهض بها فرد قد تبلغ نهايتها بانتهاء جهده.
أما الأعمال التي تتقاسمها الأيدي المخلصة فإنها تستقر في طبيعة المكان وتغدو جزءًا من هويته.
ولهذا لم يكن رجل الأمن يعمل في معزل عن رجل المرور ولا الجهات الصحية والخدمية والبلدية تؤدي أدوارًا متفرقة ولا المتطوع ولا صاحب المأتم ولا المواطن يسير في طريق مستقل.
كان الجميع يمضي إلى غاية واحدة حتى بدا اختلاف المواقع تنوعًا في المسؤولية لا تباعدًا في الوجهة.
ولو اقتصر الأمر على اجتماع الجهود لكان نجاحًا يُذكر ثم يمضي.
غير أن ما شهدته القطيف كان أبعد من ذلك.
فما جرى خلال عاشوراء لم يولد مع دخول محرم ولم يتشكل في عشرة أيام.
وراءه أعوام من المراجعة والخبرة والتنظيم والعمل المتواصل حتى غدت تفاصيل كثيرة تؤدى بسلاسة يظن معها العابر أنها تمضي وحدها.
وفي مثل هذه المواضع يغيب عن الأنظار أكثر ما يستحق الالتفات.
فكلما ازداد العمل إحكامًا قل حضوره في أعين الناس.
تمر التفاصيل هادئة بينما تستند في حقيقتها إلى خبرات تراكمت وعقول راجعت وأيدٍ واصلت ومسؤوليات تكاملت حتى بلغت هذا المستوى من الانسجام.
ولهذا لا تبدأ القطيف عاشوراء كل عام من أول الطريق.
كل موسم يحمل إلى الذي يليه ما تعلمه وما أصلحه وما أضافه حتى تغدو الخبرة ميراثًا عامًا تتقاسمه المدينة بأسرها.
ولهذا أيضًا لا يدخل أحد عاشوراء المقبلة كما دخل سابقتها.
فلكل موسم ما يضيفه إلى رجل الأمن ورجل المرور والعامل في الميدان الصحي والجهات الخدمية والمتطوع وصاحب المأتم وإلى المجتمع كله حتى يصبح الإتقان ثمرة تراكم لا يعرف الانقطاع.
ومن هنا تجاوزت عاشوراء حدود المناسبة.
أصبحت مدرسة عملية تتلاقى فيها الخبرات وتترسخ فيها العلاقة بين المجتمع ومؤسسات الدولة عامًا بعد عام.
وهذه العلاقة لا تنشأ بقرار ولا يصوغها اجتماع وإنما تبنيها الأيام التي يعمل فيها الجميع لغاية واحدة ويؤدي كل صاحب مسؤولية ما عليه وهو يعلم أن إلى جواره من يحمل الأمانة نفسها بالقدر ذاته من الإخلاص.
وهذا في ظني هو المكسب الذي يستحق أن يبقى.
فما أثبتته عاشوراء هذا العام أن المدينة التي تتقاسم فيها مؤسسات الدولة وأبناؤها المسؤولية قادرة على أن تمنح شعائرها ما يليق بجلالها وأن تقدم للوطن صورة يكتبها العمل قبل الكلمات.
ولهذا فإن أكثر ما خرجت به القطيف من عاشوراء لم يكن مما رآه الناس.
سيظهر حين يطل محرم القادم.
فتبدأ المدينة من حيث انتهت.
لا من حيث بدأت.



