رحم الله أخانا، الملا أحمد حسن الوحيد، هذه أيامه في مجالس الأحساء.
كانت أيام عاشوراء، التي قضى الجزءَ الأكبر من سنوات عمره الثمانين في ربوع الأحساء، الجميلة الوفية له في كل قراها وبلداتها ومجالسها الكبيرة، أيام جهد كبير يبذله. فقط سنتين من مدة خطابتِه في جزيرة تاروت في أيام عاشوراء - لا أتذكرها - والباقي في الأحساء. انطلاقته القوية في ميدان الخطابة كانت من أرض الأحساء.
ابتدأ فيها، أي الأحساء، شابًّا، لم يتركها ولم تتركه حتى أعجزه المرض، سنوات قليلة قبل وفاته. مشواره اليومي يبدأ مع صلاة الفجر، وينتهي في ساعةٍ متأخرة من الليل، عشرة مجالس في ٢٤ ساعة! رأيتُ تفاعلًا كبيرًا في كل المجالس، خصوصًا في الأيام السابع والثامن والتاسع والعاشر.
غرفة صغيرة في حسينية المهنا في المبرز، الشيخ الكريم الرحيم طيب الخلق، في المبرز، ننام فيها بعد سهرة طويلة ونصحو باكرًا على خطوات الشيخ لصلاة الفجر ثم ننطلق في رحلة الصباح لذلك يهجم عليّ التعبُ والنعاس في فترة القراءة.
حضرت معه المجالس الكبيرة المعروفة، في مختلف مدن وقرى الأحساء. آنذاك لم تتوفر مكبرات الصوت الفخمة فتراه وكأنه في ساحة حرب ينساب صوته عاليًا مثل البرقِ والرَعد.
جرى حبّ الأحساء وناسها وسرى في دمه. لم يرى الأحسائيين بعينيه لكنه عرفهم بقلبه وحفظ أصواتهم وما يناسب ذوقهم من الشعر والحديث. سكن في بيوتهم فأكرموه في كل التفاصيل. سمعت منه ذكريات حلوة ومدحًا لهم على تلك الصحبة والوفاء. حتى في عزائه بعد موته حضروا ولم ينسوه!
منذ عام ١٣٨٧ هجرية ولعشراتِ السنين، صحبناه، أنا وإخوتي كلهم، ثم بعض من أولاده. شاهدت نخيل الأحساء وعيون مائها من نافذة سيارة راضي ابو عريش؟ تحممنا في ماء عين الحارة الدافئ، لعبتُ في حفرة النول، أو مغزل البشوت الحساوية الراقية، حضرت جلسات القهوة في ضحوات النهار وسواليف كبار السنّ في أوقات الفراغ.
أيام عاشوراء يسبقها رحلة اختيار الخطباء وتنظيم المجالس على ما أتذكر في شهر ذي الحجة بإشراف الحاج على بن طاهر القطان في الحسينية الحيدرية حيث تقام مجالس تجريبية يُنتقى بعدها الخطيب. هذه الفترة تكون مريحة على العكس من أيام شهر محرم.
رحم الله الأخ ورحم ذلك الجيل الطيب من الأحسائيين الذين كانوا له إخوةً ووطنًا، أحبوه وأحبهم من كل قلبه حتى آخر نفس من حياته. سنوات تذهب بسرعة وتبقى ذكراها الطيبة عالقة في الذاكرة.
التفاتة: إذا غابت عني بعض تفاصيل الرحلات، أو الأسماء، فذلك لأنني كنت حينها طفلًا ثم شابًّا وقد مضى زمنٌ طويل والزمان يحيل بعض الذكريات إلى رماد.



