هل يمكن الاعتماد والثقة التامة بوصول المساندة والمساعدة العاجلة من الأصحاب والدائرة المقرّبة من الإنسان عند حلول الشدائد والأزمات؟
بالتأكيد لا، فالإنسان إذا جعل مصدر قوته منحصرًا في إسعاف ومساندة الآخرين، فإنه سيواجه مشكلةً مستجدة، وهي القلق والصدمات العاطفية من تخلّي وانسحاب البعض من حياته بهدوء. أما القوة الحقيقية القادرة على تغيير حاله وتخليصه من آثار المحنة أو المشكلة، فهي التوكل على الله تعالى وتفويض الأمور إليه، ثم يتحرّك بعد ذلك للأخذ بالأسباب والقيام بما يجب عليه من مهمات ومحاولات. وهذا اليقين بالله تعالى وطلب التوفيق منه هو ما يهبه الطمأنينة والأمل في كل الأحوال، فإنه في أسوأ حالاته والاحتمالات المنخفضة في نتيجة المعالجة، يكسب راحةً وخبرةً تساعدانه على تجاوز الصعاب مستقبلًا.
الإيمان الحقيقي نور يضيء مسيرة الإنسان في مختلف محطاتها الاختبارية وزواياها الصعبة. فحينما تضيق السبل، وتتكاثر الآلام والهموم، ويعتصر القلب بسببها، يأتي ذلك النور الداخلي لينير العتمات ويهبه قوة الأمل بالله تعالى، ويردفه بالتفكير العقلائي لإدراك حقيقة الأمور والرسائل الإلهية في كل حدث. حيث يدرك المؤمن أن وراء كل محنة حكمةً وسرًا خفيًا، فإن الله تعالى لا يترك عباده في متاهات الألم بلا عناية ورعاية ولطف يساندهم. وحينئذ تصبح القوة المحركة له في مواجهة التحديات والأزمات هي القوة الباطنية، التي يستمدها من إيمانه بالله عز وجل وحكمته في التدبير، لا من الظروف المحيطة به. فإنه قد يحزن، ويتألم، ويتضعضع، ولكنه لا يصل إلى حالة الانهيار والعجز، فهو يعلم علم اليقين بأن الأزمات مهما اشتدت، فهناك باب فرج يخرج منه إذا توكل على الله تعالى وأخذ بالأسباب المادية.
إن فكرة الألم المصاحب لأي أزمة أو محنة هي ما يمايز ويفرّق بين الناس في تعاملهم مع تلك المحطة الاختبارية. فهناك من لا يستفيد من خوض تلك التجربة شيئًا، وكأنه لم يعاصر آلامًا هدهدته، والنتيجة المتوقعة لمثل هذه الحالة هي تكرار وقوعه في مشاكل أو صعاب مشابهة ومتكررة، دون أن يتعظ أو يستفيد درسًا بتجنب العوامل المؤدية إلى ضعفه أو خسارته أو سقوطه. وهناك من يستفيد من آلامه ومشاكله أقصى استفادة، ويغتنمها بعد أن حوّلها من الألم إلى الوعي والرشد، وهذا يُعد من أعلى مراتب النضج الإنساني، حيث يخرج بعد التجربة المريرة والقاسية أكثر فهمًا للحياة، وقد تبلورت في ذهنه مجموعة من الأفكار التي استقاها واستلهمها دروسًا وعبرًا من المحنة التي عايشها. بل استطاع الظفر بسُلّم الأولويات والاهتمامات، فهو اليوم أقدر على التمييز بين ما يستحق الاهتمام وما لا يستحقه.
وهل تتأثر علاقات الفرد وجانبُه الإنساني عمومًا، وعلاقاته الأسرية والاجتماعية خصوصًا، بعد استفادته من دروس الحياة والتجارب الصعبة والأزمات؟
بلا شك، أن الإنسان الذي يتعلم من جراحه يصبح أكثر رحمةً بالآخرين، حيث يدرك حينئذ معنى الحرمان والانكسار والألم، فيتحول إلى مصدر مواساة وتخفيف للآلام وتنفيس للهموم لكل من حوله، فمن ذاق مرارة المعاناة بإيمان وحكمة يصبح أكثر استعدادًا وقابليةً لاحتضان الضعفاء ومساندتهم.



