أوقفتني الكثير من المشاهد في الحياة، وخاصّة تلك المواقف البناتيّة في مدارس القطيف أثناء عملي، حيث يتجلّى الأدب في أسمى صوره، فيظهر من فتيات صغيرات عرفن كيف يصغن دروسًا عظيمة في احترام الكبير، ويُحسنَّ التصرّف كراشدات، مما أكسبهن قوة في قيادة الموقف. وقد لاحظتُ تلك اللياقة الأدبيّة منتشرةً -ولله الفضل والمنّة- في مدارس القطيف وقراها، ممتدةً من منطقة الأوجام مرورًا بالعوامية إلى مناطق تاروت.
وأيّ معنى للحياة دون ذوق اجتماعيّ أو ذوق جماليّ يفرض على الآخرين احترام صاحبه؟
وعندما قلّبتُ صفحات التاريخ صادفت شخصيات عظيمة تحلّى أصحابها بأدب جمّ رفيع، ومقدرة فائقة على أن يملك الإنسان زمام نفسه قبل أن يملك أيّ شيء في الحياة، وعلى رأس هذه القائمة نبي الرحمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
إنّ سيرته الكريمة أعظم من أن تُحصر في موقف أو بضع مواقف تبيّن شخصية هذا الإنسان العظيم، صاحب الحلم والتقى وعفّة اللسان.
تذكرتُ، قبل أن أكمل الحديث عن اللباقة أو اللياقة اللسانيّة، ما قرأتُه في كتاب (اليوم الأخير) للكاتب ميخائيل نعيمة، ص 183:
(العبدُ عبدٌ أطارَ في الجوّ أم مشى على الأرض، والعبدُ عبدٌ أكان دكتورًا في الفلسفة أم مُنظف أحذية يجهل القراءة والكتابة).
أما تلك البيوت التي وُصفت في القرآن الكريم بقوله تعالى:
﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ * رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾
فأصحابها عُرفوا في السماء والأرض، وتربّى أفرادها على الأدب الإلهي من منابعه السماويّة.
فعندما جاء ذلك الإعرابي إلى النبي الكريم يطلب منه العطاء، قال له بسوء أدب: يا محمد، أعطني، فإنك لا تعطيني من مالك ولا من مال أبيك، وجذب رداء النبي إلى الحد الذي أثّر في عنقه الشريف.
فغضب المسلمون وقاموا إليه، فأشار إليهم أن كفّوا عنه، ثم دخل منزله، فأرسل إلى الأعرابي واسترضاه بعطاء جديد حتى أزال السخيمة والضغينة من صدره.
وتتوالى الأخبار عن البيت النبوي والعلويّ في المنطق الحسن وحكمة الجواب، فعندما سُئل العباس بن عبدالمطلب عليه السلام:
أأنت أكبر أم رسول الله صلى الله عليه وآله؟
أجاب العباس قائلًا:
(هو أكبر مني، ولكنّي وُلدتُ قبله).
وإذا أدرتَ محرك البحث في الأدب الأسري، فسوف ترى عباسًا آخر، هو العباس بن علي بن أبي طالب، فماذا يقول التاريخ في مقامه؟
(يُعرف بلقب “قمر بني هاشم” و”أبو الفضل” و”ساقي عطاشى كربلاء”، ويحظى بمكانة عظيمة وقدسية عالية عند المسلمين لشجاعته، ودفاعه المستميت عن أخيه الحسين وأهل بيت النبوة في معركة كربلاء، حيث استشهد يوم عاشوراء).
وأضف إلى ذلك أنه كان يتمنى أن ينادي أخاه بـ”أخي” (عليهما السلام)، ولأنه كان يعرف أن الحسين بن علي إمام مفترض الطاعة، لذلك أعطاه الهالة المقدّسة من الاحترام والتقدير النابعين من الإمامة والقرب من مقام الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، فظلّ طيلة حياتهما يناديه بـ(سيدي) أو (مولاي).
ويذكر التاريخ أن العباس لم يناده بكلمة “أخي” إلا في لحظاته الأخيرة يوم معركة كربلاء عندما سقط على الأرض، حيث ناداه: “أخي يا حسين.. عليك مني السلام”، أو “أدركني يا أخي”.
وفي الوقت الذي يعدّه البعض تعقيدًا في الروابط الأسريّة، تراه فاطمة (أم البنين) فرضًا واجبًا لاحترام البيت النبوي، وهي بلا شك من طلبت من الإمام علي عليه السلام تجنب ذكر اسمها؛ كي لا تثير الذكريات المؤلمة في نفوس أبناء الزهراء، حبيبة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
أما الخلق الإسلامي الكريم فقد أطلق على الأعور كريم العين، وسمّى الأعمى بصير القلب، وظهر مدلول أصحاب الهمم للمُصاب بإعاقة جسديّة أو فكريّة.



