قبل مدة كنت أشاهد إحدى القنوات التلفزيونية، وكان الحديث يدور حول موقع أثري معروف في محافظة القطيف. ظهر الضيف بكل ثقة، وبدأ يتحدث عن عمر الموقع، وتاريخه، وأحداثه، وتحولاته عبر القرون، حتى خُيّل للمشاهد أنه أمضى نصف عمره بين المخطوطات والوثائق والبعثات الأثرية.
لكن المفاجأة أن الضيف لم يكن مؤرخًا، ولا باحثًا في الآثار، ولا متخصصًا في التراث أصلًا، بل كان فنانًا تشكيليًا محترمًا ومبدعًا في مجاله، وهنا توقفت قليلًا وسألت نفسي، متى أصبح الرسم مؤهلًا لإصدار شهادات ميلاد المواقع الأثرية.
وللتوضيح، لا أحد يشكك في قيمة الفنان أو الكاتب أو الإعلامي أو أي صاحب موهبة أخرى، فلكل مجال رجاله وأهله، لكن المشكلة تبدأ عندما ينتقل الإنسان من تخصصه إلى تخصص آخر، ويجلس أمام الكاميرا ليتحدث بثقة المؤرخ، وخبرة عالم الآثار، ودقة الباحث الأكاديمي، بينما معلوماته لا تستند إلى مصادر موثقة بقدر ما تستند إلى اجتهادات شخصية أو روايات متداولة.
والأخطر أن هذه المعلومات لا تقال في جلسة خاصة بين الأصدقاء، بل تبث عبر قنوات رسمية ومؤسسات إعلامية تحظى بثقة الجمهور، وعندما يسمع المشاهد المعلومة على شاشة معروفة، فإنه غالبًا لا يتوقف ليسأل، هل هذا الضيف متخصص فعلًا، وهل ما يقوله محل اتفاق بين الباحثين، بل يتعامل مع ما يسمعه على أنه حقيقة مكتملة الأركان.
وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية، فالتاريخ بطبيعته ليس مجالًا مفتوحًا لكل رأي عابر، نعم، توجد اجتهادات واختلافات بين الباحثين، لكن هناك فرقًا بين رأي علمي يستند إلى وثائق ومراجع ودراسات، وبين رأي شخصي ولد قبل دقائق من بداية التصوير.
وأحيانًا نشاهد مشهدًا طريفًا يستحق التأمل، المراسل يبحث عن ضيف بسرعة، والموعد قريب، فيتجه إلى أكثر الأسماء حضورًا في المناسبات والفعاليات، لا إلى أكثرها تخصصًا، والضيف بدوره لا يريد أن يفوت فرصة الظهور، فيوافق مشكورًا، ثم يجد نفسه يتحدث عن التاريخ والآثار والأنساب والتراث والعمران القديم، وربما لو امتد اللقاء عشر دقائق إضافية لتحدث عن حركة الكواكب أيضًا.
وأجمل ما في الأمر أن مجتمعنا لا يعاني أصلًا من نقص في المتخصصين، ففي القطيف أسماء معروفة أمضت سنوات طويلة بين الكتب والوثائق والمراجع، مثل الباحث التاريخي حسين السلهام، والباحث التاريخي سلمان رامس، والباحث نزار العبدالجبار، والباحث أزهر التوبي، وغيرهم من المهتمين بالتاريخ والتراث المحلي، ولدينا كذلك مختصون في التراث العمراني، من بينهم إسماعيل هجلس، إضافة إلى مصورين وثائقيين وفنانين فوتوغرافيين ممن راكموا خبرات وتجارب حقيقية في مجالاتهم.
كما أن للفن التشكيلي نفسه أسماء بارزة ولامعة تركت بصمتها في هذا المجال في محافظة القطيف، ولكل منهم مكانته وخبرته التي يرجع إليها في مجاله الذي عرف به وأبدع فيه، تمامًا كما يرجع إلى الباحثين والمؤرخين عند الحديث عن تاريخ القطيف وآثارها وتراثها.
ولو سرنا بالمنطق نفسه، فقد نستضيف أحد هؤلاء للحديث عن مستقبل سوق الأسهم، أو نطلب من باحث تاريخي تحليل أسعار النفط، أو نستعين بمختص في التراث العمراني لتفسير قرارات البنوك المركزية، وبالطبع سيبدو الأمر غريبًا للجميع، ليس لأن هؤلاء يفتقرون إلى الكفاءة، بل لأن لكل مجال أهله وأدواته وخبراءه.
بل إننا لو أخذنا الفكرة إلى نهايتها الطبيعية، فقد نشاهد يومًا ما طيارًا يتحدث عن تاريخ قلعة تاروت، أو فنانًا تشكيليًا يحدد عمر موقع أثري بالدقة نفسها التي يحدد بها ألوان لوحته، أو مصورًا فوتوغرافيًا يبت في خلافات المؤرخين الممتدة منذ عشرات السنين، وعندها لن يبقى أمام المؤرخ المسكين إلا أن يرد الجميل ويظهر في برنامج اقتصادي ليتوقع حركة الأسهم الأسبوع المقبل.
ولهذا فإن السؤال ليس هل الضيف شخصية محترمة أو معروفة، بل هل هو الشخص المناسب للحديث عن هذا الموضوع تحديدًا، لأن الفرق كبير بين أن تكون معروفًا، وبين أن تكون متخصصًا، والفرق أكبر عندما تكون المعلومة موجهة إلى عشرات الآلاف من المشاهدين.
المشكلة هنا ليست في نية الضيف، فغالبًا هو يتحدث بحسن نية، وليست في المشاهد الذي يثق بما يسمع، بل إن الجزء الأكبر من المسؤولية يقع على من اختار المتحدث أصلًا.
فعندما نريد الحديث عن موقع أثري، لماذا لا نستضيف باحثًا في التاريخ أو الآثار، وعندما نتحدث عن التراث العمراني، لماذا لا نلجأ إلى المختصين الذين أمضوا سنوات في الدراسة والبحث والتوثيق، فالشهرة شيء جميل، لكنها ليست مؤهلًا علميًا، والحضور الإعلامي ميزة مهمة، لكنه لا يغني عن الخبرة والتخصص.
كما أن على الشخصيات العامة نفسها مسؤولية أخلاقية لا تقل أهمية، فمن الجميل أن يعتذر الإنسان عن الحديث في موضوع لا يملك أدواته العلمية، تمامًا كما لا نقبل من مؤرخ أن يقدم نفسه فجأة خبيرًا في الجراحة أو الهندسة أو الطيران.
وقد يبدو الأمر بسيطًا في لحظته، لكنه ليس كذلك على المدى البعيد، فالمعلومة الخاطئة حين تقال في قناة واسعة الانتشار قد تعيش سنوات طويلة، وتنتقل من تقرير إلى تقرير، ومن مقطع إلى آخر، حتى تتحول مع الزمن إلى حقيقة يتداولها الناس، رغم أنها بدأت أصلًا من اجتهاد غير موثق.
وهنا يكمن الخطر الحقيقي، فعندما يكون هناك اتفاق أو شبه اتفاق بين الباحثين والمؤرخين حول معلومة تاريخية معينة، ثم يظهر رأي فردي غير موثق على شاشة رسمية واسعة الانتشار، فإن المشاهد العادي قد يضع الرأيين في كفة واحدة، لا لأنه درس الأدلة، بل لأنه شاهد الاثنين على الشاشة نفسها، ومع مرور الوقت تتحول بعض الآراء الشخصية إلى روايات متداولة، ثم إلى معلومات يكررها الناس دون أن يعرفوا أصلها أو مدى صحتها.
ولهذا فإن حماية التاريخ لا تكون فقط بحفظ الوثائق، بل أيضًا بحسن اختيار من يتحدث عنه، فالتاريخ سجل المجتمع، والرواية لا تحتمل المجاملة، ولا ينبغي أن تترك للمصادفة أو للعجلة أو لمجرد أن فلانًا معروف إعلاميًا أكثر من غيره.



