24 , يونيو 2026

القطيف اليوم

رسالة المنبر الحسيني للمجتمع

يجذب المنبر خلال مجالس عاشوراء الأولى جمهورًا واسعًا يمتد عبر مختلف الأعمار والشرائح الاجتماعية، مما يعكس عمق الحب والتقدير الذي يكنّه الناس لهذه المنابر. يعود ذلك إلى تنوع المواضيع التي يتم تناولها من قبل الخطباء، حيث تحرص المجالس على تسليط الضوء على قضايا اجتماعية واقتصادية متنوعة، مما يجعلها منصة حيوية للنقاش والتوعية.

ما يميز هذه المنابر بشكل خاص هو الإسهام المميز للخطباء، حيث يحرص كل خطيب على تقديم سلسلة من الموضوعات والقضايا التي تلامس اهتمامات المجتمع. هذا الإثراء ينعكس إيجابيًا على المحاضرات الحسينية، إذ تصبح وجهةً يقصدها الجمهور من مختلف المناطق للاستفادة من الفكر والثقافة والقيم المستمدة من الموروث القرآني والأحاديث النبوية الشريفة وأحاديث أهل البيت عليهم السلام.

من خلال هذه المحاضرات، يفتح الخطباء آفاقًا جديدة للمعرفة والتحليل العميق لكلمات الإمام الحسين (عليه السلام) ولأسرار نهضته، مسلطين الضوء على رسالته السامية في إرساء قيم الإسلام ومبادئه.

من أبرز سمات هذه المجالس أنها تركز على قضايا حركات التغيير والإصلاح الاجتماعي ذات الطابع الإنساني، مستمدة قوتها من دوافع صادقة. تتميز هذه المجالس برؤية وأهداف واضحة، ما يجعل مسارها منظمًا وغير مشوب بالغموض. وتهدف بشكل أساسي إلى تحسين جودة حياة الإنسان ومعالجة التحديات الواقعية التي يواجهها، بغية نقله من واقعٍ قائم إلى آخر أكثر إشراقًا وازدهارًا.

وتُعد واقعة كربلاء من أبرز الأحداث المؤثرة في التاريخ الإسلامي، بما تحمله من قيم ومبادئ ودروس ومعانٍ إنسانية تتوارثها الأجيال عبر الزمن. وهي حادثة لا تزال أصداؤها تتردد في أعماق النفس البشرية، وتدعو إلى التأمل في العديد من المعاني والدروس التي تتجاوز حدود الزمان والمكان.

والمنبر وسيلة من وسائل الإعلام الإسلاميّ الفاعلة في الدعوة والإرشاد والتبليغ، والمؤثرة في أبناء المجتمع الإنساني عموماً والإسلامي خصوصاً.

استمعت الليلة الماضية إلى محاضرة ألقاها أحد الخطباء في مجلس تحت عنوان “العولمة الثقافية وتأثيرها على المجتمع وفئة الشباب”. تناول الخطيب خلال حديثه مجموعة من النقاط الحيوية التي تعكس واقعنا اليومي وتفاصيل تفاعلنا المستمر مع تحديات هذا العصر.

بدأ حديثه بتعريف العولمة، موضحًا أنها جاءت كنتيجة لتحولات تاريخية كبرى، أبرزها سقوط الاتحاد السوفيتي، وكيف تطورت من مجرد مفاهيم اقتصادية بسيطة إلى غزو ثقافي شامل. وأشار إلى الانتشار الكبير الذي وصلت إليه العولمة الثقافية في وقتنا الحالي وتأثيراتها العميقة على المستويات الاجتماعية. تحدث عن تفكك النسيج الاجتماعي مقارنة بالماضي، حيث كانت العلاقات الاجتماعية أكثر ترابطًا وقوة، مستشهدًا بتغير دور الأسرة وضعف قيمها الأساسية في الحفاظ على الأخلاق والمبادئ.

كما سلط الضوء على تراجع قيمة احترام الجار وعزوف الشباب والفتيات عن الزواج بسبب عدم قدرتهم على تحمل المسؤولية وتكوين أسر مستقرة. وتناول بإسهاب تأثير الثورة التكنولوجية والإعلامية في تعزيز هذا الغزو الفكري، حيث أشار إلى مدى تأثر الشباب بموجة المحتوى الإعلامي المنتشر عبر الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي. ولفت الانتباه إلى التأثير السلبي لهذا الغزو على التعليم، حيث يجد الطلاب الذين يبحثون عن معلومات أو مراجع أنفسهم معرضين للإغراءات التي تبثها بعض المصادر، مما قد يدفع البعض للانشغال بأمور جانبية بدل التركيز على الهدف الأساسي.

تحدث أيضًا عن مسألة التحضر لدى الشباب وفهمهم الخاطئ لمفهوم الحضارة والرقي. حيث أشار إلى وجود من يقول “تحضر بلا دين”، كما يوجد شباب متدينون لكن تدينهم يخلو من التحضر. وتساءل: من سيقود المجتمع ويكون جديرًا بالثقة في ظل هذه التناقضات؟

بالرغم من أهمية المحاضرة وما حملته من أفكار مفيدة وتحذيرات ضرورية، إلا أن الخطيب لم يتوسع بشكل كافٍ في بعض المحاور وكان بالإمكان أن يغطي الموضوع بعمق أكبر ويستغل الفرصة لتقديم حلول عملية. ومع ذلك، لا شك أننا بحاجة ماسة إلى مثل هذه المحاضرات التي تسلط الضوء على قضايا تمس حياة المجتمع والشباب وتساهم في زيادة الوعي العام.

نحن بحاجة حقيقية إلى مراجعة شاملة لكثير من جوانب حياتنا الاجتماعية، حيث أصبحت أنماط الاستهلاك تشغل حيزًا كبيرًا في حياة الأفراد، لا سيما الشباب والفتيات. لقد ترسخت ثقافة الاستهلاك بشكل ملحوظ، حتى باتت توجّه الأذواق وتؤثر على القرارات، ما أدى إلى بناء اقتصاد استهلاكي يثقل كاهل الأسر بمطالب متزايدة. هذا الاقتصاد لا يكتفي بتلبية احتياجات الناس، بل يخلق لهم متطلبات جديدة باستمرار، فتغدو الأسواق ومظاهر الاستعراض وكأنها جزء لا يتجزأ من حياة الجميع.

ومن أبرز المشاهد التي تُظهر تأثير هذه النزعة الاستهلاكية حفلات التخرج، التي كان من المفترض أن تقتصر على الاحتفاء بسنوات من الجهد والعناء الذي بذله الطلاب وأسرهم. لكنها للأسف لم تعد مجرد محطة بسيطة تعكس قيمة الإنجاز الحقيقي، بل تحولت لدى البعض إلى مهرجانات استعراضية ومبالغ فيها تتنافس فيها العائلات على تقديم مظاهر الفخامة والرفاهية وكأنها سباق اجتماعي مفتوح.

الأمر لا يتوقف عند هذا الحد، بل امتد إلى مناسبات أخرى مثل حفلات استقبال المواليد، حيث أصبح الهدف الأساسي الذي كان يتمثل في الاحتفال بمجيء الحياة الجديدة واستقبال الأحبة يُطغى عليه بتكاليف باهظة وهدايا فارهة بغرض “رد الجميل”، مما يضع الأسر في دائرة لا تنتهي من التنافس المحموم.

يبقى السؤال هنا: لماذا نسير نحو هذا الاتجاه المرهق؟ وهل نحن فعلًا بحاجة إلى كل هذا التكلف والأعباء التي نفرضها على أنفسنا؟ دعونا نعيد التفكير مليًا في قيمنا وأولوياتنا، ونبحث عن جوهر البساطة التي كانت دائمًا أساسية في ثقافتنا الاجتماعية.

الأسرة في زمننا الحالي تواجه تحديات كبيرة تهدد دورها ومكانتها، منها تسارع وتيرة الحياة اليومية، وتزايد الضغوط المختلفة، وضعف القيم التي توفر الشعور بالطمأنينة. إضافة إلى ذلك، يتغلغل الطابع المادي في جميع جوانب الحياة، ويتراجع دور الأبوين في التربية والتوجيه بشكل ملحوظ. كل هذه الظواهر تعود إلى تأثير القيم الاستهلاكية المرتبطة بالنظام الرأسمالي، الذي يركز على الربح والاستهلاك المفرط ويعزز الفردانية داخل المنازل وفي النفوس.

ونحن نعيش أجواء  هذه الأيام التي تزخر بالمنابر والمجالس التي تستضيف نخبة من الخطباء، حيث يصدح كل منهم بكلماته في مجالس عاشوراء. وفي هذا السياق، من الضروري أن يتحلى الجمهور بروح المشاركة الفاعلة.

فالاستماع ليس مجرد إجراء عابر، بل هو فعل يتطلب تفكيراً واعياً وانفتاحاً ذهنياً. ينبغي للمستمع أن يتقبل ما يُقال بعقل مدرك وأذن واعية، مع تقييم متأنٍ لكل ما يُلقى عليه. كما يجدر به أن يحكّم عقله بدلاً من أن يمنحه لأي أحد دون تمحيص، لأن الاستماع مسؤولية عظيمة.

فقد ورد عن الإمام أبي جعفر (عليه السلام) قوله: «من أصغى إلى متحدثٍ فقد وضع نفسه في موضع التبعية له؛ فإن كان المتحدث ينقل عن الله فقد اتبع الله، وإن كان ينقل عن الشيطان فقد اتبع الشيطان».

وقصارى القول: إن التثقيف مسؤوليّة، وهي مسؤوليّة مشتركة بين الخطيب الّذي يقوم بتثقيف النّاس، والمستمع الّذي لا بدَّ له من أن يعرف كيف يتثقَّف وعمَّن يأخذ ثقافته.

نحن اليوم بأمسّ الحاجة لتجسيد قيم عاشوراء واستلهام المعاني السامية التي تنطوي عليها، خصوصًا في ظل الظروف المعقّدة التي تحيط بنا.

يبقى السؤال المركزي: كيف يمكن أن نوظّف المجالس والمنابر لاستقاء الدروس العميقة من أحداث عاشوراء التاريخية وإسقاطها على واقعنا المعاصر؟ وكيف يمكننا الاستفادة من تلك القيم والدروس في تعزيز الوعي والمسؤولية المجتمعية والإسهام في بناء مجتمع أكثر وعيًا وقدرةً على مواجهة التحديات؟

إن الإجابة على هذه التساؤلات لم تعد خيارًا بل ضرورة ملحّة، لا سيما في مواجهة التحديات المتزايدة والأزمات الراهنة التي تستدعي منا وعيًا أكبر وتخطيطًا محكمًا.


error: المحتوي محمي