23 , يونيو 2026

القطيف اليوم

بيانُ موطنِ الجمالِ في آية

آيةٌ طالما طرقت مسامعنا، وكثيرًا ما نلاحظها مكتوبةً شعارًا في الجمعيات، ومواضع الخير، والمساجد، ودور العبادة، وفي كثير من المؤسسات التطوعية والخيرية، إنها قوله تعالى:

﴿وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾.

هذه الآية الكريمة تزخر بالكثير من العجائب والنكات البيانية التي سأقف معكم عندها، ولست أدّعي في ذلك تفسيرًا أو تقصّيًا لمعنى واقعي، وإنما أتلمس معكم مواطن الجمال؛ لكثرة تداول هذه الآية واستعمالها.

فلنبدأ رحلتنا مع هذه الآية بالوقوف عند أسرار الحروف والوصل البياني مع الواو في قوله: ﴿وَسَارِعُوا﴾، وهي واو العطف؛ فإن ما قبلها من الآيات يأمر بالتقوى والطاعة:

﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾،
﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾،
﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾،

ثم جاءت الآية: ﴿وَسَارِعُوا﴾.

هنا الوصل واجب -كما يقول أهل البيان- لمطابقة الأفعال كلها في صيغة الأمر، والتشريك في الحكم والحث عليه، ولعدم وجود مانع من الوصل هنا، بل يجب الوصل لعلة التوسط بين الكمالين أو وجود الجامع والمناسبة.

ثم لو لاحظت تجد أن الآيات وما سبقها جاءت كلها بصيغة الجمع: ﴿اتَّقُوا﴾، ﴿أَطِيعُوا﴾، ﴿سَارِعُوا﴾، فالأمر هنا موجَّه للجماعة لا للمفرد، وهذا ملمح آخر ذو دلالة.

المسارعة والمسابقة: لطائف الموازنة

تعال لنقف بعد الواو عند الفعل ﴿سَارِعُوا﴾، ولنسأل: لِمَ استُعمل اللفظ هكذا؟ فبعد أن نبَّهنا الله عز وجل بقوله: ﴿أَطِيعُوا﴾ و**﴿اتَّقُوا﴾**، لِمَ جاءت المسارعة؟ ولِمَ لم يقل: افعلوا، أو اذهبوا إلى المغفرة، أو احصلوا عليها؟

بل لِمَ لم يقل: سَابِقُوا؟

ولقد استُعمل فعل المسابقة في سورة الحديد في قوله عز اسمه:

﴿سَابِقُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾.

ولاحظ أنه في سورة الحديد قال: ﴿سَابِقُوا﴾ ولم يأتِ بالواو قبلها؛ لأنها مقطع إنشائي جديد غير مرتبط بالجملة السابقة، وليس قبلها ما يشترك معها في الحكم الإعرابي، فلذلك لم يعطفها، ويسمى هذا عند أهل البلاغة: شبه كمال الاتصال.

ولنا في آية آل عمران وجه آخر من أوجه البيان والإعجاز واللمح الجمالي، وهو أنه بعد أن جاءت الآيات السابقة بصيغة التشديد والطلب الحازم:

﴿وَاتَّقُوا النَّارَ﴾، و﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾،

جاء الطلب هنا مقترنًا باللطف والتحضيض اللين كسرًا لتلك الشدة؛ فالمسارعة تحمل في طياتها معنى الحث اللطيف المندوب.

كما أن التفرقة بين سارعوا وسابقوا تكمن في أن المسارعة فيها تحضيض للفرد على الطاعة دون التفات للمنافسة، بينما المسابقة تتضمن نوعًا من التنافس والتبرّز بين شخصين أو جماعتين، فالمسارعة توبة وإقبال دون تقصير، ودون انشغال بمنافسة الآخرين.

وقد تضمنت الآية وعدًا بجنة عرضها السماوات والأرض، ليأتي سؤال ضمني: لمن هذا الوعد العظيم؟

تأتي الإجابة في نهاية الآية:

﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾،

وهنا فُصلت جملة ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ عما قبلها لغرض بياني، فهي بمثابة جواب عن سؤال مبهم يتبادر إلى ذهن السامع، وهو: لمن هذه الجنة التي عرضها السماوات والأرض يا رب؟

فيأتي الجواب:

﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾.

وكذلك الحال في الآية التي تليها، وهذا موضع بلاغي مهم؛ فبعد أن قال تعالى:

﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾،

نشأ سؤال ضمني آخر مفاده: بيّن لنا يا رب، من هم هؤلاء المتقون؟ وما صفاتهم؟

فيأتي الجواب مستأنفًا بالوصف:

﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾.

بقي أن ننبّه على أمر يُعد من تطبيقات المعاني على هذه الآيات، المقترنة بالغرائب واللطائف، وهو حركية الأفعال وثبات الصفات.

لاحظ الصفات التي ذكرها سبحانه:

﴿يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾، أتى هنا بالفعل المضارع ينفقون للدلالة على الاستمرار والتجدد، فهم مستمرون في الإنفاق في كل أحوالهم.

أما قوله:

﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ… وَالْمُحْسِنِينَ﴾،

فلم يأتِ بالفعل في هذه الأوصاف الثلاثة، بل عطف عليها بصيغة اسم الفاعل: الكاظمين والعافين، وصولًا إلى خاتمة الآية: ﴿الْمُحْسِنِينَ﴾، وهو جمع محسن بكسر السين، وهو اسم فاعل أيضًا؛ للدلالة على ثبات الصفة ورسوخها وديمومتها لذات المتقي.

وهنا لفتة إلى ثمرة أصولية جليلة؛ فأسماء الفاعلين هذه كلها من المشتقات، والمشتق عند علماء الأصول أعم من حال التلبس بالمبدأ، فهل يتسمى به المرء حال التلبس بالفعل فقط أم هو أعم؟

والجواب: هو أعم.

فإن الكاظم للغيظ، والعافي عن الناس، والمحسن، تظل هذه الصفات كلها نعوتًا ملازمة لذات المتقي، ثابتة وراسخة في حقه، فيُسمّى بها حال وقوع الحدث وحال تلبسه بكظم الغيظ والعفو والإحسان، ويُسمّى بها كذلك بعد انقضاء الحدث وفي كل حين.

فالعفو والكظم والإحسان صارت كلها لزامًا وشيمة رصينة ثابتة فيه، ولذلك ختم الله الصفات بقوله:

﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾،

تعميمًا وإشادة بذات هذا العبد الذي تلبّس بتلك المشتقات الثابتة.

وبعد، إذا كانت هذه الأوصاف والمشتقات ترسم لنا معالم الطريق، وتجلي لنا ديمومة الطاعة وثبات الإحسان، فإننا في هذه الأيام المباركة نعيش حقيقةً في فيضٍ من أسباب المغفرة والرحمة الإلهية.

وعليه، فلتكن لنا وقفة استثنائية مع ذواتنا ونفوسنا، ولنسارع إلى الاستثمار في هذه الأوقات والأيام السانحة، ولنترجم المسارعة إلى واقع عملي متجدد؛ فالمغفرة معروضة، ولعمري إن المغبون من فرّط في هذه المواسم الربانية ولم يكن في طليعة المسارعين.

أرجو أن أكون قد وُفّقت لبيان شيءٍ من جمال وعذوبة ولطافة هذه اللغة القرآنية، والتي وقفنا عليها من جوانب بيانية ولغوية وأصولية، ولا أدّعي في ذلك علمًا أو تفسيرًا، وإنما هي وقفات على روعة هذه المفردات المحكمة.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.


error: المحتوي محمي