إن في تاريخ الأمم محطات عظيمة تقف عندها الأجيال طويلًا، تستلهم منها الدروس والعبر، وتستمد منها معاني الصبر والالتزام بالقيم، ومن أعظم تلك المحطات في التاريخ الإسلامي رسالة الإمام الحسين بن علي عليهما السلام، تلك الرسالة التي تجاوزت حدود الزمان والمكان، وأصبحت مدرسة خالدة في الإيمان والقيم الإنسانية والبناء الإيجابي.
لقد شاء الله تعالى أن يكون الإمام الحسين عليه السلام شخصية استثنائية نشأت في أطهر بيت عرفته الإنسانية، فهو سبط رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وريحانته التي كان يحتضنها بمحبة وحنان، وأحد سيدي شباب أهل الجنة كما ورد في الحديث الشريف.
وُلد الإمام الحسين عليه السلام في المدينة المنورة سنة أربع للهجرة، في بيت اجتمعت فيه النبوة والفضيلة، فأبوه الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام رمز العلم والشجاعة، وأمه السيدة فاطمة الزهراء عليها السلام بضعة رسول الله وسيدة نساء العالمين. وقد أحاط النبي صلى الله عليه وآله وسلم حفيده الحسين بعناية خاصة، حتى أصبح المسلمون يرون فيه امتدادًا عمليًا لأخلاق النبوة وروح الرسالة، وكان صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «حسين مني وأنا من حسين، أحب الله من أحب حسينًا». إنها كلمات عظيمة تختصر مكانة الإمام الحسين عليه السلام في الإسلام، وتكشف عمق الارتباط بين الرسالة المحمدية ونهج الحسين (ع).
جاء الإسلام برسالة تقوم على الهداية والإحسان، والتذكير بالقيم النبيلة، فالإمام الحسين عليه السلام نشأ في مدرسة القرآن الكريم، وتعلم منذ طفولته أن الإسلام جاء لترسيخ القيم الفاضلة بين الناس، ونشر الرحمة، وتعزيز مكارم الأخلاق.
قال تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾.
وقال سبحانه:
﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾.
وقف الإمام الحسين عليه السلام مع ثلة من أهل بيته وأصحابه رضوان الله عليهم، امتلكوا ما هو أعظم من السلاح والعدد، وتمسكوا بالإيمان واليقين والصدق مع الله، فكانت كربلاء مدرسة تعلم الناس أن المبادئ لا تُقاس بالكثرة، وأن القيم العظيمة تستحق الإيثار مهما بلغت التكاليف.
إن عاشوراء لم تكن حادثة تاريخية تنتمي إلى الماضي فحسب، بل هي مدرسة متجددة تقدم للأجيال دروسًا لا تنتهي، ومن أهم تلك الدروس التمسك بالمبادئ، فالمؤمن لا يغيّر مبادئه، بل يظل متمسكًا بها مهما كانت الظروف.
قال تعالى:
﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾.
كما أن القيم الإنسانية تمثل جانبًا مهمًا في حياة الإنسان، وقد علمنا الإمام الحسين عليه السلام أهمية المحافظة على القيم والمبادئ التي ترتقي بسلوك الإنسان وتوجهه نحو الخير.
قال تعالى:
﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾.
كما أن المسؤولية الاجتماعية والتطوير الإيجابي لا يتحققان بالأمنيات، بل بالمواقف والعمل والبذل في خدمة المجتمع والقيم النبيلة، وقد جسد الإمام الحسين عليه السلام هذا المعنى من خلال مواقفه التي اتسمت بالإخلاص والثبات. وكذلك فإن التضحية من أجل المبادئ من أبرز الدروس التي تقدمها هذه المناسبة، فالأمم تتقدم عندما يقدم أبناؤها المصلحة العامة على المصالح الخاصة، ويجعلون القيم فوق المكاسب المؤقتة.
لقد احتل الإمام الحسين عليه السلام مكانة رفيعة في وجدان المسلمين بمختلف توجهاتهم، وإن نهج رسالته ودعوته إلى العمل الصالح، وخدمة المجتمع، وتعزيز القيم الإيجابية، والتمسك بالمبادئ الأخلاقية، يمثل المعنى الأسمى للرسالة التي ما زالت تلهم الأجيال وتدعو إلى البناء والعطاء.



