"إن من الشعر لحكمة، وإن من البيان لسحرا"، ومن الشعراء الذين نعرفهم ينبض شعرهم بالحكمة الثمينة.
إن الأنامَ مِطى الأيام تحملهم .. إلى الحِمامِ وإن حلوا أو ارتحلوا
هل تعرف من الشاعر الذي قال بيت الشعر أعلاه؟ أنت حتمًا سمعتَ بأسمه ربما عشرات المرات!
عندما أقرأ هذا البيت أحسب أن قائله فيلسوف عميق الفكر. هو الشاعر الذي احتوى رفاته مقبرة القطيف، الشيخ حسن الدمستاني البحراني! يذكر أنه توفي سنة 1181 هـ ودفن بمقبرة الخباقة بالقطيف. قال عنه المؤرخون الكثير عن علمه وتقواه وعن شعره الراقي. تستطيع، القارئ الكريم والقارئة الكريمة أن تتعرف على بعض قصائده من المصادر المعروفة.
ليس غريبًا أن يقول الشيخ حسن مثل هذا البيت فهو لا شك مطلع على ما قاله الإمام علي عليه السلام:
"واعلم يا بني أن من كانت مطيته الليل والنهار فإنه يُسار به وإن كان واقفًا ويقطع المسافةَ وإن كان مقيمًا وادعا"
ثم إن بيت شعر الشيخ حسن رحمه الله تعالى يشبه إلى حدٍّ بعيد في فلسفته قول أبو الحسن علي بن محمد بن فهد التهامي. من كبار شعراء العرب:
فَالعَيشُ نَومٌ وَالمَنِيَّةُ يَقِظَةٌ
وَالمَرءُ بَينَهُما خَيالِ ساري
نفتح عيوننا على الدنيا في عراكٍ وصراع ولا يخطر في بالنا أننا نيام، غافلون، ثم نستيقظ على حقيقة اسمها "الموت". عندما نَصطدم بحائط الموت الذي لا منجى منه نستيقظ. كلّ هذه الأجراس نسمعها ولا نسمعها وكأنها تخاطب غيرنا!
أجراس التنبيه تدق بأصوات عالية كل حين؛ صديقك، قريبك، من تعرف، قطع المسافة بين الحياة والموت فهل تسمع رنة الجرس؟ في كلّ يوم أنت تستدبر الدنيا وتستقبل الآخرة فتصبح بعيدًا عن الدنيا وقريبًا من الآخرة.
"الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا"، هل خطر في بالكم لماذا فلان كان بيننا يوم أمس والآن ليس بيننا؟ بكل بساطة هو، أو هي، وصل إلى مرحلة الاستيقاظ ونحن لا نزال نيام.
يذكر الاصفهاني في كتاب الأغاني أن ابنًا صغيرًا للفرزدق توفي وبعدما صلّى عليه التفتَ إلى الناس، فقال:
و ما نحن إلا مثلهم غير أنّنا .. أقمنا قليلًا بعدهم و تقدّموا
فلم يلبث الفرزدق إلا أيامًا حتى مات.
خلاصة الفكرة أن أمرًا واحدًا علينا أن نفهمه وهو أن الحياة رحلة قصيرة في عالم الوجود، عشرات السنين إن طالت ثم تنتهي. لكن الحكاية لا تنتهي مع الموت وإلا لم يترك واحدٌ منا جريمةً إلا ارتكبها كما يفعل من لا يؤمن بيوم الحساب. نحن المسلمين نؤمن من أعماق قلوبنا أن الحياة الأبدية ليست هذه الحياة القصيرة إنما ما بعدها.
وَلَو أَنّا إِذا مُتنا تُرِكنا .. لَكانَ المَوتُ راحَةَ كُلِّ حَيِّ
وَلَكِنّا إِذا مُتنا بُعثِنا .. وَنُسأَلُ بَعدَ ذا عَن كُلِ شَيءِّ



