رطب القطيف الذي يذكرنا بزمنٍ عشناه في طفولتنا بين النخيل حلّ موسمه. بين النخيل والنخلاويّ حكايات لا تنتهي وبين الرطب والتمر والإنسان علاقة شهية حلوة المذاق.
النخلوَة: الاعتماد على جنى النخيل مهنة كانت سائدة قديمًا. أتذكر أننا وكما حدّث والدي رحمه الله تعالى وإخوتي الأكبر سنًّا مني أننا عشنا متنقلين بين نخلٍ وآخر، قبل ولادتي في جزيرة تاروت. أما أنا فولدت في واحدٍ من بساتين النخيل وأدركتُ في آخر قبل انتقالنا إلى دارٍ دائمة مبنية بالطوب والاسمنت.
كانت حياة متعبة، وإن كان فيها بعض البهجة، عندما تجتمع العائلة للعمل في أوقات صرم النخيل. النخلاوي لا يكسب كثيرًا إنما لأن حبّ النخلة يجري في دمه يصيبه الإدمان، إدمان العناية بالنخلة وإكرامها.
عندما يبدأ موسم الرطب كنّ النسوة من دارين وسنابس وتاروت يأتين إلى النخل ومعهن سلال يملأنها بما يحلو لهنّ من الرطب كل يوم. كل امرأة تحمل جريدة وعندما تأخذ سلة الرطب يحفر الوالد رحمه الله حفرةً صغيرة في الجريدة ثم الحساب على عدد الحفر بعد مدة. عندما يتم الحساب تُجرد الحفر.
لفظت مهنةُ النخلوَة - في تاروت - أنفاسها بعد تغير الاقتصاد من البحر والنخل إلى المهن الحرة والعمل مع شركات النفط وغيرها. أما النخلة فهي باقية وتكبر وأصبحت جزءًا من الاقتصاد الوطني. جاء في تقرير عن القيمة الاقتصادية للتمور التالي:
"يُشار إلى أن قطاع النخيل والتمور شهد تحولات نوعية وإنجازات ملموسة، من حيث كميات إنتاج التمور، وتنوع أصنافها، وتعدد صناعاتها التحويلية، حيث بلغ حجم إنتاج التمور في المملكة خلال عام 2025م أكثر من 1.9 مليون طن، وتحتضن المملكة أكثر من 37 مليون نخلة، مما يعكس تنوع القطاع وقدرته على تلبية متطلبات الأسواق العالمية بمختلف أذواقها، ويعزز مكانة المملكة واحدة من أبرز الدول الرائدة في إنتاج وتصدير التمور عالميًا".
يذكر التقرير أيضًا أن المملكة العربية السعودية حقّقت نموًّا قياسيًا في قيمة صادرات التمور خلال عام 2025م، بتسجيل ارتفاع بنسبة 14.3% مقارنةً بعام 2024م، و59.5% منذ عام 2021م، حيث بلغت قيمة الصادرات 1.938 مليار ريال.
طعم بعض ثمار الأشجار يسقط من الذاكرة، ذاكرة الفم، تأكله مرةً واحدة وتنساه. أما الرطب والتمر فهو مزروع مع ذاكرة الإنسان في حقلٍ واحد. هزت النخلة مريم عليها السلام { وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا} فتساقط عليها الرطب الجني من ساعته. جاء في النخلة الكثير من الأحاديث لمن يريد أن يعرف وللراغبين في معرفة فوائد الرطب والتمر يوجد الكثير من الكلام المثبت.
عشنا من فضل النخلة. أكلنا من رطبها وتمرها. حتى الدواب والماشية عاشت على ما أنتجته النخلة. الآن تحولت ثمرة النخلة إلى سلعةٍ ثمينة ومنتجٍ جميل يأكله الفقير ويشتهيه الغنيّ فيا لها من شجرةٍ مباركة معطاء!



