هناك أسئلة لا يجيب عنها الزمن، بل يجعلها أكثر عمقًا ومن بين تلك الأسئلة سؤال أحتفظ به منذ سنوات: ماذا كان يحب أبي؟
كنت أتمنى أن أعرف ما إذا كان يحب الشتاء أم الصيف، القهوة أم الشاي، الصمت أم الأحاديث الطويلة كنت أتمنى أن أسأله عن طفولته، عن أحلامه، وعن الأشياء التي كان يخاف عليها كثيرًا كنت أتمنى أن أعرفه ليس من خلال الآخرين، بل من خلاله هو.
أنا لا أعرف كل ما كان يحبه أبي، لكنني أعرف ما أحبه أنا فيه؛ أحب تلك الصورة الطيبة التي يحملها الناس عنه، أحب الدعاء له، أحب أن أذكره بالخير، وأحب أن أؤمن أن أرواح الأحبة لا تغيب ما دامت حاضرة في الدعاء والذكرى.
أحيانًا أتخيله رجلًا يحب الهدوء، يفرح بوجود أسرته حوله، ويبتسم عندما يرى أبناءه بخير وأحيانًا أتساءل: هل كان سيحب أحاديثي؟ هل كان سيضحك من المواقف التي أمر بها الآن؟
في يوم الأب، لا أملك هدية أقدمها له، ولا مكالمة هاتفية أقول فيها: “كل عام وأنت بخير” أملك فقط دعاءً صادقًا يخرج من القلب، أرجو فيه أن يكون في رحمة الله ورضوانه، وأن تكون الجنة داره ومستقره.
رحم الله أبي رحمةً واسعة، وجعل قبره روضةً من رياض الجنة، وجمعني به في دارٍ لا فراق فيها ولا وداع وسيبقى السؤال في قلبي دائمًا: ماذا كان يحب أبي؟ لكن الأجمل من السؤال، أنني سأظل أحبه مهما غاب.



