20 , يونيو 2026

القطيف اليوم

« بالأمس كان قصي .. واليوم ما من أحد يعمل في خندقه !! »

هناك فئة من المخلصين يقدمون أرواحهم في سبيل خدمة مجتمعاتهم، ولكن هؤلاء عادة قلة قليلة .. في حياتنا نقابل أشخاصًا يؤثّرون فينا ويتركون لدينا انطباعات إيجابية تستمر معنا طيلة حياتنا، لأنها انطباعات تكون نابعة من شخصيات لها أفكارها وريادتها .. وقد جمعتني الأيام مع إحدى هذه الشخصيات في لقاءات مباشرة وعبر قنوات التواصل ووجدت في هذه الشخصية أشياءً لا تتوفر في الآخرين .. إننا بحاجة لمثل هؤلاء الرجال .. هم مثال للعمل الجاد، الذين يصرفون كل طاقاتهم في خدمة مجتمعهم، وغيابهم يسبب خللًا في توثيق الصلات بين أفراد المجتمع وتضعف روح التكافل الاجتماعي.

خيم الحزن على القطيف وقراها .. ورشت الظلمة الخرساء وحشتها في القلب الملتاع، ولا يجد الشوق من يؤويه سوى الدموع المثقلة لعلها تؤنس ألم الفراق .. نزل الخبر نزول الصاعقة .. الحمد لله على قضائه وقدره .. فقد اختطفت يد المنون عزيز قلوبنا الحاج قصي بن قاسم هجلس فجأة وهو في عزِّ حيويته ونشاطه وقمة عطائه، كان قبل سويعات قليلة من لقاء ربه .. يتواصل مع الجميع .. فقدنا رائدًا من رواد العمل والعطاء .. حمل بين حناياه طاقة .. نمت وتقدمت فغدقت للمجتمع ثمارًا طيبة، وقف حياته على خدمة الناس وشاركهم في أفراحهم وأحزانهم بل جميع مناسباتهم .. كسب سمعة طيبة وحضورًا اجتماعيًا، وذاع صيته بين الناس، واستطاع أن يكسبهم .. أسس مجموعة واتساب وضم مجموعة كبيرة من أفراد مجتمعه، من أجل تقديم خدماته الاجتماعية، سنشعر بالأسى ونحن نرى هذه القناة التي تخصصت في نشر أخبار الوفيات ودعوات الأفراح والمناسبات الدينية، بالإضافة للعديد من الخدمات الاجتماعية .. نجدها قد توقفت عن العمل.

كنا في الأمس في تشييع هذا الرجل المؤمن صاحب القلب الرحيم والعمل الطيب .. الشخص الذي سعى بكل ما يملك من قوة من أجل خدمة مجتمعه .. رحل قصي خفيف الظل، عذب الروح، لطيف الدعابة، إذا التقيته ملك عليك نفسك، ودفعك في موجة من ظرفه وأنسه بما يرتجله من فكاهاته ودعاباته ومزاحه .. رحل عنا هذا المؤمن الذي لم يتصف إلا بالصفات الحميدة .. رحل قصي بعد حياة حافلة بالعطاء .. طوى أواخر أيامه في آلام، وقضى كهولته في متاعب وأشجان .. ما أصعب فراقك يا قصي، لقد كنت ملاكًا هادئًا تشع نورًا وجمالًا، لطيفًا، متعاطفًا، وقلبًا نابضًا بالحب والتسامح والصفاء .. ساهمت مساهمة فعالة في خدمة مجتمعك .. رحل قصي وحفر أخدودًا من الحزن في نفوس المؤمنين .. رحل قصي وترك وراءه ذخيرة نفيسة من المحبة .. وإذا كان قصي قد رحل عنا بجسمه، فصورته وأعماله حُفرت في ذاكرتنا بأحرف من نور.

في مثل هالأيام - عاشوراء - كان يشارك المؤمنين ويشمر عن ساعديه لخدمة أهل البيت (ع) .. ويستثمرها في حضور المجالس والمآتم ومجالس العزاء .. يبكي ويذرف الدمع ويتفاعل وجدانيًا مع هذه المناسبة التي ارتبط بها طوال حياته .. رحل قصي في ليالٍ كئيبة حزينة .. رحل قصي في أيام عاشوراء .. رحل قصي في أيام حزنه ومواساته وبكائه على الإمام (ع)، ويستمر حزنه ولا ينقطع حضوره للمآتم طيلة شهر محرم الحرام .. وبعدها في صفر بل طوال أيام السنة.

رحل قصي وفارق الأهل والأحباب، وخلّف لهم الوحشة والحسرات، ولوعة واكتئاب .. قضى عمره في العمل وخدمة الناس، وحمل رسالة الإيمان نقية طاهرة ساهمت إسهامًا فعالًا في دفع الشباب للعطاء .. نعم يا أبا سجاد هكذا أنت دائمًا في كل عمل تؤدّيه برغبة وتفاعل .. هكذا أنت دائمًا تصرف وقتك وجهدك ليكون العمل جادًّا .. هكذا أنت دائمًا بالشرف والرفعة والكرامة والمكانة والطيبة والكلمات الصادقة، صراط محبة وجسر ثقة دائمة، هي حصيلة هائلة من العلاقات الشخصية والاجتماعية الواسعة بمختلف فئات الناس، وخير شاهد على ذلك هي تلك الحشود الغفيرة من رجال دين، ووجهاء وبقية شرائح المجتمع التي تقاطرت لتشييعك من كل حدب وصوب في وقت متأخر وطقس رطب، كانت ليلة سوداء قضاها الجميع في حزن مرير .. كانت ليلة قاسية وصعبة حفرت في ذاكرتنا أخاديد عميقة من الحزن والألم والأسى والمعاناة.

وبنظرة واحدة للدور الذي لعبه هذا الرجل نقول: حقيقة لقد خسرت القطيف أحد أبنائها الذين عرفوا بالحضور الاجتماعي وخدمة المآتم، وخسرنا نحن أبناء القطيف خدمات هذا الرجل المؤمن، وسيظل ذكره في القلوب .. نعم بذلتَ الكثير واستحققتَ التقدير والتكريم .. لقد اعتدنا من قطيف الحب والولاء مثل هذا الزخم الجماهيري الكبير المشحون حبًا وشوقًا عندما يكون الراحل له قدر كبير من الرفعة والمكانة في قلوب الناس .. لقد كرّس حياته في كل ما يعود على الناس بالخير، وأفنى عمره في خدمة الشعائر والعترة الطاهرة عليهم السلام، فطوبى لمن كان أهل البيت (ع) شفعاءه .. ارتقت روحك إلى مدارج الكمال، فقرّت عيناك يا أبا سجاد فأنت في مستقر دار عز الملكوت وبين يدي رحمته ومغفرته.


error: المحتوي محمي