ليست الحياةُ لونًا واحدًا، ولا يقوم العمرُ على علمٍ دون علم، ولا ينهض المجتمعُ بطبيبٍ بلا مهندس، ولا بمهندسٍ بلا بنّاء، ولا ببنّاءٍ بلا محاسب، ولا بمحاسبٍ بلا مدير، ولا بمديرٍ بلا مسوّق، ولا بتقنيةٍ بلا أخلاق، ولا بصناعةٍ بلا ضمير.
فكلُّ تخصصٍ له قدرُه، وكلُّ علمٍ له أثرُه، وكلُّ ميدانٍ له فرسانُه؛ غير أنّ العجب أن تُحترم التخصصاتُ كلُّها، ثم يضيق بعضُ الناس برجال الدين، كأنهم عالةٌ على الحياة، وهم في حقيقتهم عُدّةٌ للنجاة، وسندٌ للوعي، وسورٌ للهوية، ومصباحٌ إذا أظلمت الرؤية.
إن الطبيب يحفظ الجسد من السقم، والمهندس يحفظ البناء من الهدم، والمحاسب يحفظ المال من الضياع، ورجل الدين يحفظ الإنسان من التيه، والقلب من الزيغ، والمجتمع من الانفلات، والروح من الجفاف.
فإذا كانت حاجتنا إلى من يعالج البدن عظيمة، فحاجتنا إلى من يعالج الضمير أعظم؛ لأن الجسد إذا مرض تألّم، أما الضمير إذا مات تهدّم.
ولم يجعل القرآنُ التفقه في الدين ترفًا ولا هامشًا، بل جعله فرضَ وعيٍ وبصيرة، فقال تعالى:
﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾.
فهذه الآية لا تصنع كسلًا، بل تصنع رسالة، ولا تدعو إلى عزلة، بل تؤسس لنهضة؛ إذ لا يكفي أن نعرف كيف نبني الأسواق، حتى نعرف كيف نصون الأخلاق.
وقال تعالى:
﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾.
وفي ذلك إقرارٌ بأن لكل علمٍ أهله، ولكل بابٍ رجاله، فلا يُسأل الطبيب في الفتوى، كما لا يُسأل الفقيه في الجراحة؛ ولكن يُسأل كلُّ صاحب علمٍ فيما أحكم، وكلُّ مختصٍ فيما علم.
إن دور العلماء والمشايخ ليس خطبةً تُسمع ثم تُنسى، ولا موعظةً تُقال ثم تُطوى؛ بل هو حفظٌ للعقل من الشبهة، وللشباب من الشهوة، وللأُسر من التفكك، وللمجتمع من التمزق.
كم من حائرٍ ردّوه إلى رشده، وكم من غاضبٍ أطفؤوا ناره، وكم من بيتٍ رمّموا جدرانه، وكم من نفسٍ كادت تسقط فأقاموها، وكم من شابٍ خطفته الدنيا فردّوه إلى الله ردًّا جميلًا.
نعم، رجل الدين بشرٌ يصيب ويخطئ، وليس كل من لبس العمامة صار إمام حكمة، ولا كل من اعتلى المنبر ملك مفاتيح المعرفة؛ لكن خطأ بعض الأفراد لا يُسقط شرف الرسالة، كما أن خطأ طبيبٍ لا يهدم الطب، وخطأ مهندسٍ لا يهدم الهندسة، وخطأ محاسبٍ لا يهدم المحاسبة.
فلنحترم كل علمٍ نافع، ولنُنزل كل تخصصٍ منزلته، ولنحفظ لأهل الدين قدرهم؛ فهم ليسوا عبئًا على المجتمع، بل عينٌ ساهرة على قيمه، ولسانٌ ناصح في أزماته، وقلبٌ نابض في روحه.
وحين يضيع الميزان، وتكثر الفتن، وتتزاحم الشاشات، وتتشابه الأصوات، يبقى العالم الرباني منارةً لا تُطفأ، وكلمةً لا تُشترى، وبوصلةً تقول للناس: هنا الطريق، وهنا النجاة، وهنا الله.
فكلُّ تخصصٍ له قدرُه، وكلُّ علمٍ له أثرُه، وكلُّ ميدانٍ له فرسانُه؛ غير أنّ العجب أن تُحترم التخصصاتُ كلُّها، ثم يضيق بعضُ الناس برجال الدين، كأنهم عالةٌ على الحياة، وهم في حقيقتهم عُدّةٌ للنجاة، وسندٌ للوعي، وسورٌ للهوية، ومصباحٌ إذا أظلمت الرؤية.
إن الطبيب يحفظ الجسد من السقم، والمهندس يحفظ البناء من الهدم، والمحاسب يحفظ المال من الضياع، ورجل الدين يحفظ الإنسان من التيه، والقلب من الزيغ، والمجتمع من الانفلات، والروح من الجفاف.
فإذا كانت حاجتنا إلى من يعالج البدن عظيمة، فحاجتنا إلى من يعالج الضمير أعظم؛ لأن الجسد إذا مرض تألّم، أما الضمير إذا مات تهدّم.
ولم يجعل القرآنُ التفقه في الدين ترفًا ولا هامشًا، بل جعله فرضَ وعيٍ وبصيرة، فقال تعالى:
﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾.
فهذه الآية لا تصنع كسلًا، بل تصنع رسالة، ولا تدعو إلى عزلة، بل تؤسس لنهضة؛ إذ لا يكفي أن نعرف كيف نبني الأسواق، حتى نعرف كيف نصون الأخلاق.
وقال تعالى:
﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾.
وفي ذلك إقرارٌ بأن لكل علمٍ أهله، ولكل بابٍ رجاله، فلا يُسأل الطبيب في الفتوى، كما لا يُسأل الفقيه في الجراحة؛ ولكن يُسأل كلُّ صاحب علمٍ فيما أحكم، وكلُّ مختصٍ فيما علم.
إن دور العلماء والمشايخ ليس خطبةً تُسمع ثم تُنسى، ولا موعظةً تُقال ثم تُطوى؛ بل هو حفظٌ للعقل من الشبهة، وللشباب من الشهوة، وللأُسر من التفكك، وللمجتمع من التمزق.
كم من حائرٍ ردّوه إلى رشده، وكم من غاضبٍ أطفؤوا ناره، وكم من بيتٍ رمّموا جدرانه، وكم من نفسٍ كادت تسقط فأقاموها، وكم من شابٍ خطفته الدنيا فردّوه إلى الله ردًّا جميلًا.
نعم، رجل الدين بشرٌ يصيب ويخطئ، وليس كل من لبس العمامة صار إمام حكمة، ولا كل من اعتلى المنبر ملك مفاتيح المعرفة؛ لكن خطأ بعض الأفراد لا يُسقط شرف الرسالة، كما أن خطأ طبيبٍ لا يهدم الطب، وخطأ مهندسٍ لا يهدم الهندسة، وخطأ محاسبٍ لا يهدم المحاسبة.
فلنحترم كل علمٍ نافع، ولنُنزل كل تخصصٍ منزلته، ولنحفظ لأهل الدين قدرهم؛ فهم ليسوا عبئًا على المجتمع، بل عينٌ ساهرة على قيمه، ولسانٌ ناصح في أزماته، وقلبٌ نابض في روحه.
وحين يضيع الميزان، وتكثر الفتن، وتتزاحم الشاشات، وتتشابه الأصوات، يبقى العالم الرباني منارةً لا تُطفأ، وكلمةً لا تُشترى، وبوصلةً تقول للناس: هنا الطريق، وهنا النجاة، وهنا الله.



