17 , يونيو 2026

القطيف اليوم

حين تسرق الشاشات روحانية المآتم

نعيش أيام محرم الحرام اليوم في زمن الإنترنت الذي أصبحنا فيه أسرى أجهزتنا الذكية، وأصبحت الشاشات أقرب إلينا من الدروس الإنسانية التي نستقيها من سيرة الإمام الحسين(ع)، ذلك الإمام المصلح الذي جسّد قيم الحق والإصلاح. ولم تعد المشكلة في وجود الهاتف الذكي الذي يرافقنا أينما كنا، بل في المساحة التي استولى عليها من حياتنا ومشاعرنا وعلاقاتنا.

كم من المستمعين يجلسون داخل المجلس أمام الخطيب الذي بذل الوقت والجهد في إعداد موضوعه ليقدمه للحاضرين، لكن البعض يعيش في عالم مختلف تمامًا؛ حيث العيون معلقة بالشاشات، والأصابع تتنقل بين التطبيقات، والاهتمام بما يُطرح يتراجع شيئًا فشيئًا حتى يكاد يضيع.

في البداية يبدو الأمر عاديًا وبسيطًا؛ نظرة إلى الشاشة لثوانٍ، ثم دقائق من التصفح، ورسائل سريعة، ومقاطع قصيرة، وغير ذلك من الملهيات الرقمية. لكن مع مرور الوقت تمتد هذه الدقائق حتى ينتهي المجلس، وربما يتكرر المشهد في مناسبات أخرى ليتحول إلى عادة دائمة لدى البعض.

إن الانسجام الروحي في هذه المناسبات لا يُبنى بالأجساد فقط، بل بالحضور الحقيقي للعقول. فهناك فرق كبير بين أن تستمع إلى حديث الخطيب وأنت شارد الفكر تنظر إلى الشاشة، وبين أن تنصت إليه بقلبك وعقلك واهتمامك. فالحضور الكامل يعكس احترامًا للمناسبة ورسالتها ولمن يتحدث فيها.

والانشغال بالأجهزة الذكية أثناء حديث الخطيب قد لا يكون دائمًا نابعًا من الإهمال أو عدم الاهتمام، بل ربما يكون عادة ترسخت مع الوقت. لكن من يعتلي المنبر لا يرى الأسباب بقدر ما يلمس النتيجة، والنتيجة غالبًا تكون ضعف التفاعل والانشغال عما يُطرح.

إن الحل لا يكمن في معاداة التقنية أو رفضها، فهذه الأجهزة أصبحت جزءًا من حياتنا، لكن الحكمة تكمن في استخدامها دون أن نسمح لها بالسيطرة على انتباهنا. نحن بحاجة إلى أوقات نمنح فيها تركيزنا الكامل لما يدور حولنا، بعيدًا عن الشاشات وإشعاراتها المتواصلة.

ختامًا، فإن المجلس الذي يحضر إليه الناس بقلوبهم وعقولهم لا يمكن أن تهزمه التكنولوجيا، أما حين تستولي الشاشات على الاهتمام والمشاعر، فقد يبقى المكان عامرًا بالحضور، لكنه يفقد جانبًا مهمًا من أثره ورسالته.


error: المحتوي محمي