16 , يونيو 2026

القطيف اليوم

الله تعالى عنوان النّور

إنّنا في كلّ عملٍ نقوم به إنّما نُضيفُ  رصيدا لأنفُسنا ، وكُلّ إنجاز نصنعه نصنعُ به أنفسنا ونُعلي به جُدارن ذواتنا في الحياة. 

ففي كلّ يوم نجول في أقطار حياتنا باحثين عن نور يزيلُ تراكمات عديدة استقرّت في أعماقنا تراوحتْ بين اليأس والفشل والابتلاء والاحتراق النّفسيّ  ثمّ تركت خلفها ظلاما حَالِكا، دَامِسا ،  فلم يبقَ لنا إلا التّسلح بنور الله تعالى عن طريق طاعته تعالى .

ومما هو جدير بالذكر أنّ الطاعات تخلق النّور في وجه الإنسان وقلبه،  بعكس المعاصي  التي تنكتُ نكتة سوداء في قلب الإنسان فيعتلي وجهه السّواد  ويمتلئ به قلبه . 

وكان من دعاء النبي ﷺ: «اللَّهُمَّ اجْعَلْ فِي قَلْبِي نُورًا، وَفِي بَصَرِي نُورًا، وَفِي سَمْعِي نُورًا، وَعَنْ يَمِينِي نُورًا، وَعَنْ شِمَالِي نُورًا… وَاجْعَلْ لِي نُورًا».

والنّور بمعناه اللغويّ الشائع هو :

  هو اسم علم ذو أصل عربي أصيل، يُطلق على الإناث والذكور معا، ويعني الضياء، النور، والإشراق الذي يزيل الظلمة.

وإذا كنا نرى النور الحقيقي في الأضواء الساطعة وفي نور الشمس والقمر فإننا لانرى النّور المجازي الذي نُدركه بإدراك أثره فينا مثل نور العلم  أو نور الإيمان ، وهو في نظري أعظم أثرًا في حياة الإنسان .

النّور يُعرّي الظّلام ،لذلك يعشق النّاس النّور ويكرهون الظلام، وإذا كان هناك من ينام في الظلام الدّامس فمازال هناك فئة من النّاس تعشق النوم في الأنوار الساطعة وسط عتمة الليل. 

أما أنا فأحبُّ النّور و أعشق بزوغ الفجر وأرى أن إصرار الشمس على الشّروق تكليف لنا بالنهوض ومواصلة الحياة. 

أُحبُّ السّماء السّافرة بالضوء.
أُحبُّ النّوافذ، أُحبُّ النّجُوم، أُحبُّ ضوء الشموع.
أُحبُّ الشُّهب المضيئة ، أُحبُّ قنديل البحر المُضيء.
أُحبُّ الخطوات التي تسير في ظلام الفجر فتخلق لأصحابها نورًا يسطع لها في الآخرة .
أُحبُّ سورة الكهف فهي نورٌ بين الجمعتين .
أُحبُّ كلّ شيء يُدخل النُّور للحياة.

وأُحبُّ الله تعالى فهو النور الذي ينير السماء والأرض.
﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾

وانطلاقا من ذلك فإننا عندما نمضي في طريقنا لله تعالى  نقف عند محطاتٍ، قد نبصر في بداية الطريق نورا ضئيلا بمقدار حبّة الخردل نلتقطه ، فيُضيء بين أيدينا نتعهده بالرعاية فيكْبُر شيئا فشيئا  يدحر الظلام  الذي يريد أن يتضاعف فلا يعطيه فرصة لذلك . 

إنّ القرب من الله هو مصدر نور الأجسام والعقول؛ فكلما ازداد المؤمن إيمانا وقربًا من الله، ازداد نور قلبه، فينعكس ذلك على حديثه  وتعامله مع الناس، يحبّه من حوله ويقربونه لهم، ويطمئنون إليه مادام عمله خالصا لوجه الله تعالى.
سُئِلَ الْبَرَاءُ أَكَانَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ- مِثْلَ السَّيْفِ؟ 
قَالَ: لَا، بَلْ مِثْلَ الْقَمَرِ.
وقال عبد الله بن عباس عن الرسول الكريم :
«إن للحسنة ضياءً في الوجه، ونورًا في القلب، وسعةً في الرزق، ومحبةً في قلوب الخلق»
وكلّما تعمّقت علاقة الإنسان بربّه وأخذتْ مسارا قويّا حارب المؤمن من أجل ألا يحيد عن هذا المسار، صراط الله المستقيم فيُضيء له نورا  بين يديه حتّى يصل به لبر الأمن والأمان. 
قال الله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ﴾ [الحديد: 28]
وكيف لا يشعّ وجه المؤمن بالنور وقد اكتسى بنور الله تعالى وقام الليل يناجي ربّه إنه نور الطاعات. فالإكثار من العبادات والوضوء يكسو الوجه إيمانا ونورا وبهاءً. 

رُوِي عَن مَولانَا الرِّضَا عَلَيْهِ السَّلامُ عَنْ أبيهِ عَنْ جَدِّهِ عَلَيْهِم السَّلامُ قال: سُئِلَ عَلِيُّ بِنُ الحُسَيْنِ عَلَيهِ السَّلَاَمُ: مَا بَالُ المُتَهَجِّدِينَ باللِّيلِ مِنْ أحْسَنِ النَّاسِ وجْهاً؟ 
قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ( لأَنّهُمَ خَلَوْا باللهِ فَكَسَاَهُم اللهُ مِنْ نُورِهِ)
وقال عزّ وجلّ :
﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ [الفتح: 29].
وأيّ دهشة لاتُصيبنا ونحن نقرأ ثواب الذين تتجافى جنوبهم عن المضاجع ، ونرى أثر ذلك في حياتهم ،قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليهِ وآلِهِ:
(( الرَّكْعَتانِ في جَوْفِ اللَّيلِ أَحَبُّ إليَّ من الدُّنْيا ومَا فِيْهَا » . 
وعَنْ الصَّادِقِ عَليهِ السَّلام عَنْ آبَائِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: قالَ رسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليهِ وآلِهِ: ( مَازَالَ جَبْرئِيلُ يُوْصيْنيْ بِقِيامٍ اللَّيْلِ حتَّى ظَنَنْتُ أنَّ خِيَارَ أمَّتيّ لَنْ يَنامُوا ) .
والصلاة في عمومها نورٌ لقوله صلى الله عليه وآله وسلم : «الصَّلاةُ نُورٌ» وحسبها  تهذيبها الأخلاق، وإسعادها  النفس الواجِمة. 

وعلى الرغم من ذلك فنحنُ قاصرون على الإحاطة بأسرارها الإلهية العظيمة 
فلا يتجلّى للبعض قدسية اللقاء بالله تعالى فتارة يؤخر وقتها ، وأخرى يؤديها كنقر الغراب مستخفّا بمن يقابل في دقائق معدودة. 
ولو أدرك المتهاون بالصلاة أي أثم يرتكب في حق نفسه لأنصت جيدا لنداء ( الله أكبر) وأحاط نفسه بالفيوضات الإلهية العظيمة وهو قائم يصلي لربه في بضع دقائق. 
إن انتظار وقت الصلاة أشبه بانتظار موعد عاشق أفرغ قلبه من أيّ حبّ غير حبّ الله تعالى ، عندما يُكبّر لا يرى سوى الله، ينسى جميع الأوجاع ، يتبدّل فقره غنى، وغضبه تسليم،  يستجمع ما عنده من شجاعته ويقول:
ربّي إنّي ظلمت نفسي. 
لاكنتُ ولا كانت الحياة وأنت غير راضٍ عنّي "كفى بي فخرًا أن تكونَ لي ربًّا، وكفى بي عزًّا أن أكونَ لك عبدًا، أنت كما أحبُّ، فاجعلني كما تحبُّ"
يخرج من صلاته مشرقًا وجهه ، منشرحًا صدره بعد ما كان مستودعًا للهموم.


error: المحتوي محمي