عندما تتجول انت يا مهندسنا العزيز بين المحركات والمحولات وخطوط الإنتاج في المصانع الحديثة، فإنك لا تبحث بالضرورة عن الأعطال الظاهرة بالعين المجردة، بل الاجدى بك أن تستشعر الإشارات المبكرة التي تسبق الاضطرابات المصنعية. ومن أكثر هذه الدلائل أهمية هو ما يُعرف بالانحراف الحراري. فمعلوم ان كل آلة تمتلك بصمة حرارية خاصة بها أثناء التشغيل الطبيعي، وبناء على ذلك فان أي خروج عن هذا "النمط الاعتيادي" قد يكون مؤشرًا على وجدود مقاومة كهربائية مرتفعة، أو تلازم احتكاك ميكانيكي غير مرغوب به، أو هو مؤشر على بداية تآكل في أحد أجزاء ومكونات الجهاز. ومن اللافت أنك يا مهندس لا تعبا كثيرًا بدرجة الحرارة المطلقة بقدر ما يجذب اهتمامك مقدار الميل والانحراف عن الحالة الحرارية المتوقعة للآلة. فالعبرة ليست في مجرد أن ترتفع درجة الحرارة، وإنما في حيث لا ينبغي لها.
ومن هنا نشأ لديّ تساؤل يتمحور حول انه إذا كانت الماكينات قد تكشف عن أسرارها وبواطنها من خلال استقرائنا للنمط في خرائطها الحرارية، فهل يمكن معاملة جسم الإنسان بنفس المنهجية؟ فالجسد البشري ليس أقل تعقيدًا من كثير من الأنظمة الصناعية المتقدمة. إنه شبكة هائلة من التفاعلات الكيميائية والكهروكيميائية المركبة، وفيض من الإشارات العصبية، وتدفق من حركة السوائل، وتحويل مستمر للطاقة. وجه التشابه ان هذا القلب يعمل كمضخة، والأوعية الدموية كشبكة أنابيب، والخلايا كمصانع دقيقة لا تتوقف عن استهلاك الطاقة وإنتاج الحرارة. لذلك يبدو من المنطقي في نظري القاصر ان افترض أن أي خلل وظيفي داخل هذه المنظومة قد يترك أثرًا ونمطا حراريًا يمكن رصده وتحليله وتدقيق خرائطه.
إذا كان البعض يظن أن التحدي يكمن في القفزة التقنية المتمثلة في تصنيع الكاميرات الحرارية العالية الدقة، فان واقع التكنولوجيا قد تجاوز هذه المرحلة إلى حد أكثر تعقيدا. فهذه الكاميرات الدقيقة أصبحت قادرة على رصد الفروقات الحرارية التي هي غاية في الصغر. لكن لاتزال هناك المعضلة التقنية التي تتركز حول تفعيل الاستفادة القصوى من وجود هكذا تفاوتات متوقعة. فدرجة الحرارة البشرية ليست رقمًا منفصلًا عن سياقه؛ إذ هي تنفعل وتتأثر بالعمر والجنس والوزن والنشاط البدني والبيئة المحيطة وعشرات العوامل الأخرى المتداخلة. مما يستلزم بأن مجرد الحصول والقدرة على تحليل عدة صور حرارية قد لا يكشف ما نصبو اليه، ما لم تتم المقارنة بقاعدية بيانية نمطية شاملة ومفصلة حتى يتسنى للطبيب الاستشاري الفرز فيما بين ما هو طبيعي وما هو خارج المألوف.
وهنا تبرز أهمية بناء قواعد بيانات مرجعية هائلة للأشخاص الأصحاء, ابتداء. فكما يحتاج المهندس إلى معرفة الأداء الطبيعي للجهاز قبل الحكم على احتمالية وجود عطل فيه، كذلك وبنفس المستوى من الأهمية يحتاج الطبيب إلى معرفة الخريطة الحرارية الطبيعية للإنسان قبل تشخيص أي انحراف حراري مرجح. ومع توافر ملايين القياسات الحرارية المصنفة بحسب العمر والجنس والبنية الجسدية والحالة الصحية، قد يصبح بالإمكان إنشاء نماذج مرجعية دقيقة تمثل ما يمكن اعتباره “الوضع الطبيعي” لكل فئة من البشر. وهنا يمكن القول اننا استطعنا ان نحول التصوير الحراري من كونه مجرد وسيلة للرصد والمراقبة إلى أداة فعالة في الاستدلال والتحليل.
لكن القيمة الحقيقية ستظهر جلية بعد مرحلة دمج هذه البيانات باستخدام الذكاء الاصطناعي. فمع ان العقل البشري بارع جدا في ملاحظة الأنماط الواضحة، لكنه ما فتئ يواجه صعوبة متناهية أمام ملايين المتغيرات المتداخلة. وهنا يبرز دور اليد المساعدة لأنظمة الذكاء الاصطناعي فبإمكانها مقارنة الصورة الحرارية الحالية بكم استثنائي من البيانات التاريخية والمرجعية في خلال لحظات معدودة. وربما تهتدي الى انحرافات دقيقة لم يلحظها الطبيب في حين لم يعاني منها المريض, كما يمكنها ربطها باحتمالات مرضية أو وظيفية محددة. وبهذا نكون قد وصلنا الى الحقبة التشخيصية التي يتغير ميل المنحنى فيها من التركيز على مقدار درجة حرارة هذا الجزء المعين من جسم الانسان, الى محاولة الربط بمقدار انحرافه عن النمط المتوقع للحالة المرضية للفرد.
ولو نجحت هذه الفكرة، فإنها ستفتح أبوابًا جديدة في الطب الوقائي. فبدلًا من انتظار ظهور الأعراض أو حدوث التلف الوظيفي في مراحله المتأخرة، يمكن من خلال استقراء النمط الحراري التنبؤ بالمتغيرات المبكرة في توزيع الطاقة داخل الجسم في مراحله المبكرة. وربما يصبح بالإمكان رصد بعض حالات الالتهاب المزمن، أو اضطرابات الدورة الدموية، أو الاختلالات الاستقلابية قبل أن تتطور إلى أمراض واضحة المعالم. من نافلة القول ان كثيرًا من الأمراض قد لا تبدأ بألم أو عجز، بل قد تشرع بتغيرات طفيفة في طريقة عمل الأنسجة والأعضاء، وهذه التبدلات قد تترك بصمتها الحرارية النمطية قبل وقت طويل من اكتشافها فعلا بالوسائل الاكلينيكية التقليدية.
نحن نعي بان الطريق أمام هذه التقنية ليس مفروشًا بالورود, فالجسم البشري أكثر تعقيدًا من أي آلة صناعية. والحرارة حتى تصل إلى سطح الجلد تكون قد مرت عبر طبقات متعددة من الأنسجة والدهون والأوعية الدموية. كما أن العوامل النفسية والبيئية قد تؤثر في توزيع وانتشار الحرارة بصورة كبيرة مما يزيد في تعقيد المشهد. لذلك قد لا يكون مستقبل الانحراف الحراري قائمًا على التصوير الحراري وحده، بل على الاستفادة من دمجه مع بيانات متعددة كالنبض وضغط الدم والتحاليل الحيوية والموجات فوق الصوتية وغيرها من وسائل التشخيص المتكاملة، بحيث تتخادم جميعها لتكوين صورة نمطية أشمل عن حالة المريض الصحية.
بل إن أكثر الاحتمالات إثارة للاهتمام قد لا يكون متعلقًا بالأمراض العضوية وحدها. فإذا ما تعذر استخدام الانحراف الحراري لاستكشاف بعض الأمراض المزمنة، فقد يجد هذا المنهج سبيله إلى دراسة العلاقة المركبة بين الجسد والنفس. فمن البديهي أن الخوف والقلق والغضب والتوتر والطمأنينة تترك جميعها آثارًا فسيولوجية ملموسة على الدورة الدموية وعلى نشاط الجهاز العصبي وبالتبع على توزيع الحرارة على سطح الجسم. ومع تراكم هذه البيانات وتطور أدوات التحليل، قد يصبح بالإمكان دراسة وربط الأنماط الحرارية المتصلة بالحالات النفسية المختلفة، بغية فهم الكيفية التي تنعكس بها مشاعر الشخص وأحواله النفسية على ظرفية جسده العضوية. وعندها قد نتوصل الى قناعة مفادها أن الخريطة الحرارية قد ترقت من مجرد أداة لقياس حرارة الأنسجة، الى كونها نافذة جديدة لفهم ادق للتلازم العضوي النفسي للإنسان.
اجمالا فان فكرة المقال تريد ان تنحى جانبا بذهن القارئ الكريم عن الانشغال بمقدار الحرارة الى التركيز على مدى الانحراف عن النمط الحراري الطبيعي. اننا نسعى لالتقاط الاشارات الصغيرة التي يصعب ملاحظتها وسط الضجيج اليومي, قبل أن تتحول إلى امراض يستعصي شفائها لاحقا. إذا ما نجح العلم في تحويل هذه الفكرة إلى أداة عملية موثقة، فقد نكون أمام جيل جديد من التقنيات لا يكتفي بالانهماك بما هو ظاهر على سطح المريض، بل سيسعى إلى استقراء العلامات والاشارات النمطية التي تشي وتنبئ بان مرضا ما قد لا يزال في باكورات التطور والتشكل، تمامًا كما يلتقط المهندس لفتات الأعطال الميكانيكية قبل ان ينصدم بخبر توقف الإنتاجية في عموم المصنع.



