شهدت العمارة التقليدية في القطيف خلال السنوات الأخيرة اهتماماً متزايداً من الباحثين والمهندسين والمعماريين والفنانين، وأصبحت تفاصيل البيوت التاريخية والعناصر الزخرفية المحلية حاضرة في المعارض الفنية والكتب والدراسات والمشاريع الثقافية المختلفة ، ويُعد هذا الاهتمام مؤشراً إيجابياً على تنامي الوعي بأهمية الهوية العمرانية والمحافظة على الموروث البصري الذي يعكس تاريخ المنطقة وثقافتها.
⁃ همهمه .
ومع ذلك، لا يزال المتابع يلحظ في بعض المشاريع الاستثمارية والتجارية ، وفي بعض أعمال الرسم والنحت والتصميم والأزياء، حضور زخارف وأنماط بصرية مستوردة أو مهجنة، بعضها مستلهم من العمارة الأندلسية أو من مدارس زخرفية أخرى لا ترتبط بالبيئة المحلية ارتباطاً مباشراً ، وقد لا يكون هذا التوجه ناتجاً عن تجاهل متعمد، بقدر ما يكون نتيجة لضعف البحث، أو سهولة الوصول إلى نماذج جاهزة ومتداولة بضغطة زر ، أو عدم المعرفة الكافية بحجم الثراء البصري الذي تمتلكه واحة القطيف نفسها.
⁃ مخزون متنوع .
إن المتأمل في العمارة التقليدية بالقطيف يدرك سريعاً أن المنطقة تزخر بمخزون كبير من الزخارف والنقوش المتنوعة التي تشكل مادة غنية لأي مصمم أو فنان أو معماري يبحث عن الأصالة ، فهناك الزخارف الجصية التي تزين الأقواس والجدران والنوافذ والجصيات والمداخل، والزخارف الخشبية التي تظهر في الأبواب والنوافذ ، والعناصر المعمارية المختلفة، إضافة إلى النقوش الفخارية والتفاصيل المرتبطة بالحرف التقليدية ، كما تمتلك المنطقة إرثاً بصرياً مميزاً في الأزياء والحلي والتطريزات التقليدية، ومنها “النقدة” وغيرها من المفردات الجمالية التي تحمل دلالات ثقافية واجتماعية متجذرة في المجتمع.
⁃ كن جزء .
ومن الملاحظ أن كثيراً من هذه العناصر لم تُستثمر بعد بالشكل الذي تستحقه ، فلو تم توثيقها ورسمها وتحويلها إلى ملفات رقمية وتصاميم متجهية (Vector)، لأصبحت مادة جاهزة للاستخدام في العمارة المعاصرة، والهويات البصرية، والمنتجات الثقافية، والأزياء، والأعمال الفنية والتجارية المختلفة ، بل إن مجرد إعادة قراءة هذه العناصر بعين معاصرة كفيل بإنتاج تصاميم جديدة تحمل روح المكان دون أن تكون نسخة حرفية من الماضي.
⁃ تحدي وابداع .
ولا يعني هذا الطرح الانغلاق على الذات أو رفض الاستفادة من التجارب الإنسانية الأخرى، فالتبادل الثقافي بين الحضارات أمر طبيعي ومطلوب، والتأثر المتبادل بين الفنون والعمارة ظاهرة عرفتها المجتمعات عبر التاريخ ، لكن المشكلة تظهر عندما يصبح المستورد بديلاً عن المحلي، أو عندما يتم تجاوز كنوز بصرية قائمة ومثبتة تاريخياً لصالح عناصر لا تعبر عن البيئة ولا عن ذاكرتها الجمعية.
⁃ تحول 2030.
ويكتسب هذا الموضوع أهمية أكبر في ظل التوجهات الوطنية التي تشهدها المملكة العربية السعودية ضمن رؤية السعودية 2030، والتي أولت الهوية العمرانية والثقافية اهتماماً كبيراً، وسعت إلى إبراز الخصوصية المعمارية للمناطق المختلفة بوصفها جزءً من الموروث الوطني ومصدراً من مصادر الجذب الثقافي والسياحي ، وقد انعكس ذلك في العديد من المبادرات والبرامج التي تدعو إلى تعزيز الطرز المعمارية المحلية والاستفادة من عناصرها الجمالية والبيئية وإبراز شخصية كل منطقة من مناطق المملكة بما تمتلكه من خصائص تاريخية وثقافية مميزة ، كما أن اعتماد الطرز المعمارية السعودية وتحديد هويات عمرانية للمناطق المختلفة يمثل دلالة واضحة على أهمية العودة إلى الجذور المحلية واستلهام عناصرها الأصيلة ، ومن هذا المنطلق، فإن توظيف الزخارف والنقوش والعناصر الفنية المرتبطة بواحة القطيف لا يُعد مجرد خيار جمالي، بل هو انسجام مع توجه وطني يهدف إلى تعزيز الهوية البصرية للمكان وإبراز التنوع الثقافي الذي تتميز به المملكة، فكلما استطاعت المشاريع والمبادرات والأعمال الفنية أن تستلهم مفرداتها من بيئتها المحلية، كانت أكثر قدرة على التعبير عن المكان، وأكثر إسهاماً في حفظ الذاكرة الثقافية ونقلها للأجيال القادمة.
⁃ ثقة وإيمان .
ومن خلال التجارب العالمية الناجحة في الحفاظ على الهوية، نجد أن المجتمعات التي استطاعت بناء شخصية بصرية مميزة لم تفعل ذلك عبر استنساخ زخارف الآخرين، بل من خلال إعادة اكتشاف تراثها وتطويره وتقديمه وتوظيفه بصيغ معاصرة تناسب احتياجات العصر ، فالهوية ليست تكراراً للماضي، وإنما استثمار واعٍ له، وإعادة صياغة مستمرة لعناصره بما ينسجم مع متطلبات الحاضر ، لذلك تبرز الحاجة إلى مزيد من التوثيق العلمي للزخارف والنقوش المحلية، وإعداد قواعد بيانات بصرية يستفيد منها الفنانون والمصممون والمهندسون والطلاب والمهتمون ، كما أن المؤسسات الثقافية والتعليمية لها الدور الأكبر والأبرز كما هي عادتها في تشجيع الدراسات المتخصصة التي تتناول تفاصيل الزخرفة المحلية وتحلل أصولها ووظائفها الجمالية والاجتماعية، لتكون مرجعاً موثوقاً لمن يرغب في استلهامها وتوظيفها.
⁃ نحتاج نسأل .
إن القطيف لا تعاني من نقص في المفردات البصرية، بل على العكس تماماً ، فهي تمتلك ثراءً زخرفياً وفنياً يستحق مزيداً من الاكتشاف والتوظيف ، وما نحتاجه اليوم ليس البحث بعيداً عن هويتنا، بل الاقتراب منها أكثر، وتأمل تفاصيلها، وإعادة تقديمها بلغة معاصرة تحفظ أصالتها وتمنحها حياة جديدة ! فبين جصٍّ منقوش، وبابٍ خشبي مزخرف، وقطعة فخارية محفورة، وثوبٍ مطرز بخيوط الذاكرة، تقف هوية القطيف البصرية غنيةً وكريمة، تنتظر فقط من يقرأها جيداً، ويعيد اكتشافها قبل أن يبحث عن الجمال في مكان آخر.



