في عالم اليوم الذي يعج بالمعلومة وبالثقافة المضادة, لعل من أغرب المفارقات فيه أن الإنسان يقضي سنوات طويلة في طلب المعرفة والحكمة، ثم يكتشف لاحقًا أن جزءًا من حكمته المنشودة يكمن فيما يختار أن يتجاهله. فمنذ نعومة اظفارنا ونحن نتعلم كيف نبصر التفاصيل، ووفق ماذا نحلل المواقف، وأنى نكتشف الأخطاء، لكننا نادرًا ما ندرك متى واهمية ان نصرف النظر عما لا يستحق. وهنا يبرز سؤال جدير بالتأمل: هل ان التغافل المتعمد هو خلل في الإدراك، أم أنه مستوى أسمى من الاستيعاب؟
لو تأملنا الكون من حولنا لوجدنا أن الاستقرار لن يتحقق بمعالجة كل شيء في آنٍ واحد. فالعقل البشري نفسه يستقبل في كل لحظة كمًا هائلًا من المؤثرات الحسية، من أصوات وروائح وصور وإشارات عصبية، لكنه ولحسن الحظ لا يتعامل معها جميعًا بالدرجة نفسها من الاهتمام. فهناك عملية انتقاء و"فلترة" مستمرة تجري في أعماق الدماغ، يتم من خلالها تجاهل معظم المعلومات والتركيز فقط على القليل المهم منها. ولولا هذه المقدرة على التصفية والتغافل لتشتت ذهن الإنسان بكل ما يحيط به، ولفقد قدرته على التركيز واتخاذ القرار الصحيح في الوقت المناسب.
ومن المثير للتأمل أن هذه القاعدة لا تقتصر على المستوى البيولوجي حصرا، بل تمتد إلى كثير من الأنظمة الاخرى المعقدة. فالمهندس الذي يدير مصنعًا ضخمًا لن يراقب حركة كل منتج على حدة، وقائد السفينة لا يتابع حركة كل موجة ماء من حوله، لأن الانشغال بالتفاصيل الصغيرة سوف يحجب رؤية الصورة الشاملة. وكأن الكفاءة الحقيقية لا تقوم على ملاحظة كل شيء، بل على معرفة ما يستحق التعليق عليه وما يجب ان يتغافل عنه وينساه ويرمي به وراء ظهره.
دعنا الان نوسع المفهوم ليشمل العلاقات الإنسانية حيث تتجلى فيه أهمية التغافل بصورة أوضح. فالناس بطبيعتهم ناقصون، متفاوتون في الفهم والمزاج والوعي والقدرة على التعبير. وقد تصدر من أحدهم كلمة لم تكن عن قصد، أو تصرف غير لائق وليد لحظة غضب أو ضغط أو سوء تقدير. فإذا ما تعامل الإنسان مع كل هفوة من أخيه المؤمن باعتبارها قضية كبرى تستحق المواجهة وتستوجب الرد المباشر عليها، عندها سوف تتحول حياته إلى سلسلة لا تنتهي من المصدامات والمواجهات والجبهات المفتوحة والحرائق التي "لاينضب اوكسجينها". أما الشخص الذكي المتغافل فإنه يدرك أن بعض الأخطاء الاخوية لا تقتضي ردا بقدر ما تحتاج إلى تجاوز وتغافل.
ولعل التغافل يشبه إلى حد بعيد وجود أنظمة التخميد المستخدمة في حماية الأبراج والجسور الحديثة ضد الزلازل والهزات الارضية. فهذه المنشآت العملاقة لا تُصمم لتمنع الاهتزازات بالكامل، لأن ذلك شبه مستحيل، وإنما وظيفتها قائمة على اساس قدرتها على امتصاص جزء من الاهتزاز حتى لا يتحول إلى خطر يهدد البناء برمته. كذلك النفس البشرية؛ فليس مطلوبا منك أن تزيل كل ما يزعجك من الحياة، وإنما ينبغي لك ان تدرب نفسك وتربي روحك على أن تحصل على الملكة في امتصاص بعض الاحتكاكات اليومية من دون أن تسمح لها ان تربك توازنك النفسي والروحي.
بقي ان نشدد على ان التغافل لا يعني الغفلة، وبالمثل فان التسامح لا يستوجب التفريط في حقوق الناس. فهناك فرق بين ان تتجاوز عن زلة اخيك العابرة وبين ان تسكت على ظلمه المتكرر، وبين السماح لذات الخطأ الممنهج لديه بأن يتحول إلى أسلوب حياة. من هنا تتجلى الحكمة في نسختها الحقيقية؛ فالقضية ليست في كثرة ما نتغافل عنه أو في قلته، انها في قدرتنا على التمييز بين ما يستحق الوقوف عنده وبين ما يتطلب العبور من فوقه وكأنه لم يكن.
من زاوية أخرى، فإن الإنسان كلما ازداد معرفة بنفسه ازداد ميلًا إلى التغافل عن الآخرين. ذلك لأنه بدا يتكشف له حجم النقص الكامن في دواخله، واصبح يدرك أن الأخطاء التي يراها في أصدقائه, هي أيضا بذاتها لصيقة به و هي تكون جزء من نسيجه. وعند هذه النقطة يتراجع شعوره بالتفوق والتميز على الاخرين، و يتسع صدره للبشر كما هم، لا كما كان يتمنى لهم أن يكونوا عليه.
إن فن التغافل ليس دعوة إلى إغماض العين عن الحقائق، وإنما هو دعوة إلى تقنين الانفعال. فكما أن الموارد المادية محدودة، فإن الطاقة النفسية الانسانية محدودة أيضًا، ومن الحكمة ألا يستهلكها الفرد في كل صغيرة وكبيرة. وربما كانت إحدى علامات النضج أن يعرف المرء متى يتكلم ومتى يصمت ومتى يواجه ومتى يتجاوز.
إذا ما كان هناك من خلاصة للمقال اريد لها ان تستقر في ذهن القارئ فلا يغفل عنها فسوف تكون بأن الحياة لا تحتاج دائمًا إلى عينٍ تبصر كل شيء من حولها، بقدر ما تحتاج إلى عقلٍ يزن الاحداث ويميزها ويتغافل عن معظمها.



