07 , يونيو 2026

القطيف اليوم

الغَبْنُ الخَفِيّ

“والله غبن… ويبط الكبد.”

عبارة أعرفها منذ سنوات طويلة.

سمعتها  كثيرًا.

وقيلت في مناسبات كثيرة لا تشبه بعضها.

مرة بسبب مال..

ومرة بسبب جهد..

ومرة بسبب أمر لا يساوي شيئًا عند غير صاحبه..

والمثير أن الناس قد يختلفون في حجم ما خسروا.. لكنهم يتفقون سريعًا على كلمة واحدة …

الغبن.

فكل إنسان يعرف شعور أن يأخذ أقل مما يستحق أو أن يدفع أكثر مما ينبغي أو أن يكتشف متأخرًا أن الكفة لم تكن متوازنة كما ظن.

ومع مرور الوقت بدا لي أن معنى هذه الكلمة أوسع من خسارة يعرفها صاحبها.

فالخسارة الواضحة يمكن رؤيتها ويمكن حسابها والحديث عنها.

أما الغبن الخفي فحكايته مختلفة.

إنه ذلك النقص الذي يتسلل إلى الإنسان بينما يظن أن الأمور تسير كما يريد إذ يضع جهده في المكان الخطأ أو يمنح عمره لما لا يستحق هذا العمر أو يحرس شيئًا سنوات طويلة قبل أن يكتشف أنه كان الحارس والسجين في الوقت نفسه.

ولهذا لا أرى أن أخطر ما يخسره الإنسان هو المال ولا الفرصة ولا المكسب الذي ذهب إلى غيره.

أخطر ما يمكن أن يخسره هو شيء لم يعرف قيمته أصلًا.

وهنا يبدأ السؤال من مكان آخر.

فنحن نتعلم كيف نحافظ على أموالنا وكيف ندير أعمالنا.

ونتعلم كيف نبني بيوتنا وكيف نخطط لمستقبلنا.

أما النفس… فكثيرًا ما تمر الأعوام دون أن نسأل عن قيمتها أصلًا.

لا أقصد الراحة..

ولا الترفيه..

ولا إرضاء الرغبات..

أقصد النفس نفسها.

ذلك الإنسان الذي يعيش داخل كل هذه التفاصيل.

نحن نقضي أعمارنا كلها نعمل على حياتنا.. بينما حياتنا كلها متوقفة على الشخص الذي بداخلنا.

ولهذا ليست المشكلة أن اليوم يشبه الأمس.

المشكلة أن الإنسان قد يضيف إلى حياته كثيرًا دون أن يضيف إلى نفسه شيئًا.

وقد تتغير تفاصيل حياته مرات كثيرة غير أن نظرته إلى نفسه وإلى الناس تبقى واقفة في المكان ذاته.

وهنا أعود إلى الغبن مرة أخرى.

ليس الغبن أن تخسر شيئًا تعرف قيمته فالإنسان يحزن عليه ثم يمضي بطريقه.

أما الغبن الحقيقي فهو أن يمر العمر على أثمن ما تملك دون أن تمنحه ما يستحق وأن تعرف قيمة الأشياء كلها تقريبًا وتجهل قيمة نفسك.

وأن تجمع لحياتك كثيرًا وتترك نفسك بنصيب قليل وأن تنشغل بما لك وتغفل عما أنت عليه.

ومن أغرب ما في الأمر أن بعض الناس يحملون أشياء انتهى عمرها منذ سنوات ومع ذلك ما زالوا يطعمونها من أعمارهم كل صباح..

فكرة قديمة لا تزال تستنزف أيامه..

أو عادة تجاوزتها الحياة وبقي هو عندها..

أو انشغال أخذ أكثر مما أعطى..

أو صورة يحتفظ بها عن نفسه أو عن الآخرين رغم أن الواقع غادرها منذ زمن.

ومع ذلك يستمر الإنفاق عليها من الأيام وكأنها استثمار رابح.

ما الذي أخسره كل يوم وأنا أظن أنني أحافظ عليه؟

فقد يكون الإنسان شديد الحرص على أشياء كثيرة بينما يتسرب منه شيء أثمن منها جميعًا.

نفسه.

اعمل لحياتك.. وابنِ مستقبلك.. واسعَ في مصالحك.. وأحسن الأخذ بأسباب دنياك.. واجعل لك نصيبًا لما بعد دنياك.

لكن لا تنسَ ذلك الإنسان الذي سيدخل بكل هذا أو بدونه.

لا تنسَ نفسك.

فبعد كل هذه السنوات.. ليس السؤال..

ماذا جمعت؟

ولا.. 

ماذا حققت؟

ولا..

ماذا بقي لك؟

السؤال الذي يستحق أن يبقى طويلًا في خلجاتك وقلبك..

هل كنت تجمع لحياتك فقط؟

أم كنت تجمع لنفسك دنيا وآخرة أيضًا؟


error: المحتوي محمي