تنبع هذه المقالة من تجربة شخصية تجمع بين التعليم الأكاديمي في التربية الفنية، والتصوير المعماري والبورتريه ( تصوير الأشخاص) كممارسة لهواية مستمرة، وهي تجربة منحتني قناعة بأن دراسة الفنون لا تصنع رساماً فقط، بل تصنع عيناً قادرة على فهم الصورة وتحليلها وقراءتها قبل التقاطها ، وعندما يحمل الرسام الكاميرا، فإن الفنون تصنع عيناً فوتوغرافية مختلفة.
فكما أن امتلاك الألوان والفرشاة لا يكفي لصناعة لوحة فنية متقنة، فإن امتلاك الكاميرا وحده لا يكفي لصناعة صورة مؤثرة ! فخلف كل صورة ناجحة عين مدربة، وعقل قادر على قراءة المشهد وتحليل عناصره وفهم العلاقات البصرية التي تحكمه ، ولهذا نجد أن كثيراً من معلمي ومدربي الفنون والرسامين وممارسي الفنون البصرية يحققون نجاحاً لافتاً في مجال التصوير الفوتوغرافي، ليس لأنهم يعرفون تشغيل الكاميرا فقط، بل لأنهم يمتلكون رصيداً أكاديمياً ومعرفياً وبصرياً يسبق الكاميرا نفسها.
تقوم دراسة الفنون على مجموعة من المبادئ التي تشكل أساس العمل البصري، مثل التكوين والتوازن والإيقاع والنسبة والمنظور والعلاقة بين الضوء والظل وتأثير الألوان والخطوط والأشكال في المتلقي. وهذه المفاهيم ذاتها تقريباً هي التي يعتمد عليها المصور الفوتوغرافي عند بناء الصورة ، ولذلك فإن دارس الفنون لا ينظر إلى المشهد بوصفه مجموعة عناصر متفرقة، بل يراه كوحدة متكاملة ترتبط أجزاؤها بعلاقات بصرية دقيقة.
وعندما يحمل الرسام الكاميرا، فإنه لا يكتفي بتسجيل الواقع، بل يبدأ بقراءة المشهد وتحليله ، يراقب اتجاه الضوء، ويبحث عن أفضل زاوية للرؤية، ويتأمل الخطوط التي تقود العين داخل الصورة، ويعيد ترتيب العناصر ذهنياً قبل رفع الكاميرا والضغط على زر الالتقاط ، إنه يمارس عملية مسح وتصميم ذهني وبصري سريعة تشبه إلى حد كبير ما يقوم به الفنان أثناء بناء لوحته.
كما أن التربية الفنية تعلّم صاحبها مهارة الملاحظة الدقيقة، وهي من أهم المهارات في التصوير الفوتوغرافي ، فالرسام اعتاد دراسة التفاصيل الصغيرة والفروق الدقيقة بين الظلال وتأثير الملمس والخامة والعلاقات بين الكتل والفراغات ، وهذه القدرة على الملاحظة تمنحه ميزة إضافية عند التصوير، خصوصاً في المجالات التي تتطلب حساً بصرياً عالياً مثل التصوير المعماري وتصوير الأشخاص.
وفي التصوير المعماري على وجه الخصوص تظهر قيمة الخلفية الفنية بصورة أوضح، فالمصور لا يوثق كتل جامدة ومبنى فقط، بل يحاول فهم لغة العمارة ذاتها ، الوان وملمس ومادة ،وضوء وظل ، وكيف تتكرر العناصر؟ وكيف تتوزع الكتل؟ وما العلاقة بين الضوء والفراغ؟ وما الأثر الجمالي الذي تتركه الأقواس والزخارف والخامات والألوان المختلفة؟ وهنا تصبح الكاميرا أداة لفهم العمارة وتفسيرها قبل أن تكون وسيلة لتسجيلها.
أما في تصوير الأشخاص (البورتريه)، فإن المعرفة الفنية تساعد المصور على فهم التعبير الإنساني والعلاقة بين الضوء والوجه والخلفية، وكيفية توجيه النظر داخل الصورة ، فالصورة الناجحة ليست مجرد وجه واضح، بل حالة شعورية متكاملة تنقل شخصية الإنسان ومشاعره.
ومع ذلك فإن المعرفة النظرية وحدها لا تكفي ، فكما أن الرسم يحتاج إلى ممارسة مستمرة، فإن التصوير يحتاج إلى معرفة وتعلم وأيضاً التجربة والخطأ والمراجعة والتحليل ، فالمصور المتميز هو من يلتقط الصورة ثم يعود إليها ناقداً ومتأملاً، يبحث عن نقاط القوة والضعف، ويقارن بين النتيجة وما كان يتصوره قبل التصوير ، ومن خلال هذه العملية المتكررة تنمو الخبرة وتتطور العين البصرية.
ومن المهم أيضاً ألا يتردد الفنان في توسيع دائرة مهاراته وتجاربه ، فالفنون البصرية عائلة واحدة، وكل مهارة جديدة تضيف بعداً مختلفاً للفنان ، ومن خلال الممارسة المستمرة يمكن للإنسان أن يتقن جانباً كبيراً من هذه المهارات، لأن ما يجمعها أكثر مما يفرقها، ولأن مبادئ الرؤية والتكوين والجمال تبقى حاضرة بينها جميعاً.
كما أن ممارسة التصوير اليوم أصبحت أكثر سهولة من أي وقت مضى !!! فامتلاك الكاميرا لم يعد يتطلب ما كان يتطلبه سابقاً من تكاليف مرتفعة وتجهيزات خاصة، إذ أصبحت الأجهزة الذكية الحديثة تحمل كاميرات عالية الجودة سهلة الاستخدام وسريعة ، وقادرة على إنتاج صور متميزة في كثير من الظروف ، وهذا التطور أتاح للفنان والهاوي فرصة التعلم والتجربة والتوثيق بصورة لم تكن متاحة للأجيال السابقة.
إلى جانب ذلك، فإن كثيراً من المعاناة التي كان يواجهها المصورون في معالجة الصور وتحسينها قد (تراجعت) مع ظهور تقنيات الذكاء الاصطناعي ، فبعد أن كانت بعض المعالجات تحتاج إلى وقت طويل وخبرة متخصصة في البرامج الاحترافية، أصبح بالإمكان تنفيذ أعمال متقدمة بوسائل أكثر سهولة وسرعة ، غير أن جودة النتائج لا تعتمد على التقنية وحدها، بل على قدرة المستخدم على وصف ما يريد بدقة، وتزويد أنظمة الذكاء الاصطناعي بالمعلومات والتعليمات والتفاصيل اللازمة للوصول إلى النتيجة المطلوبة.
ومن الأخطاء الشائعة الاكتفاء بالنتيجة الأولى التي يقدمها الذكاء الاصطناعي، بينما تظهر أفضل النتائج عادةً عند المراجعة والتطوير وإعادة التوجيه وإضافة مزيد من التفاصيل ، فكلما امتلك الفنان أو المصور معرفة أعمق بالتكوين والضوء واللون والعلاقات البصرية، استطاع أن يستفيد من هذه التقنيات بصورة أفضل، وأن يجعلها أداة تخدم رؤيته الفنية بدلاً من أن تقودها.
لقد أثبتت التجربة أن العلاقة بين الفن والتصوير علاقة تكامل وليست علاقة تنافس ، فالكاميرا أصبحت امتداداً طبيعياً لعين الفنان، كما أصبحت المعرفة الفنية رصيداً مهماً للمصور ، وكلما اتسعت خبرة الإنسان في الفنون البصرية ازدادت قدرته على إنتاج صور أكثر عمقاً وتأثيراً وجمالاً.
وبوصفي معلماً للتربية الفنية ومهتماً بالتصوير المعماري والبورتريه، وجدت أن ما تعلمته في الفنون من قراءة للتكوين والضوء والظل والنسب الجمالية كان خير معين لي في توثيق العمارة والإنسان ، لحد ما ، فالكاميرا بالنسبة لي لم تكن بديلاً عن الفن، بل حاجة و امتداداً طبيعياً له، ووسيلة أخرى لرؤية الجمال وتوثيقه وحفظه.
ولهذا فإن كثيراً من الصور المتميزة لا تبدأ من عدسة الكاميرا، بل تبدأ من عين تعلمت أن ترى، وعقل تعلم أن يفهم، وروح اعتادت التأمل في تفاصيل الجمال الكامن في الأشياء .



