02 , يونيو 2026

القطيف اليوم

حسن الظن أعطاني دافعًا

بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله على محمد وآله الطاهرين... وبعد

من جميل النعم ولطيف العطايا، أن يتحفني سماحة الأخ الصديق، المحقق الفاضل الدكتور الشيخ محمد العمير -وفقه الله وسدّد خطاه وزاده علماً ونفعاً- بتحقيقه الميمون لكتاب "تهذيب الأصول من الزيادة والفضول".

هذا السفر الجليل الذي يقع في جزأين، أُخرج إخراجاً رائقاً يسرّ الناظرين، فخطّه واضح جليّ، وتجليده متقن، وطباعته فاخرة تعكسها جودة الورق وحسن التجليد، كما يظهر عليه من عناية فائقة بالشكـل والمضمون على حد سواء، وإن كتاباً يجمع بين هذا الإتقان الظاهر والعمق العلمي لحريٌّ بأن يتبوأ مقعداً ثابتاً يدوم ذكره في أروقة المكتبات العلمية.

وقد أقبلتُ على هذا الكتاب أرتشف من معينه، مستميحاً عذر سماحة المحقق في تقديم قراءة مختصرة ومقتضبة، نبعت من جهد مقلّ، إذ يعلم الله أن إنائي يضيق عن سعة هذا الكتاب وعمقه، ولكن حسن ظن المحقق الكريم بي وبشخصي هو الذي دفعني للنظر في كتاب بهذا الحجم ولهذه القامة الشامخة، وهو ظنٌّ كريم أعتز به وإن كنتُ أرى نفسي دون استحقاقه.

وفي مقام الثناء على هذا الجهد المبارك، أود أن أسلط الضوء على جملة من الملامح المضيئة في هذا التحقيق:
أولاً: الخروج عن المألوف في الترجمة
لقد تجلى جهد المحقق الواضح وبرزت براعته في سياق الترجمة، إذ لم يكتفِ بما درج عليه عامة المترجمين من سرد السير التقليدية، بل تخطى ذلك ليلامس السمات والملامح الخاصة، والأسلوب العذب، والذوق الفقهي الرفيع، وعزّز ذلك بدراسات وبحوث مستفيضة حول شخصية المرجع الراحل آية الله العظمى السيد عبد الأعلى السبزواري (عليه الرحمة والرضوان)، مما يُعد دليلاً ناصعاً على المجهود الاستثنائي الذي بذله المحقق، فجزاه الله خير الجزاء.

ثانياً: النظرة التاريخية والتجديدية في الأصول
تضمن الكتاب مقدمة واعية حملت لمحة تاريخية قيمة عن التطور الأصولي، ومحاولات التهذيب والتجديد التي مرت بها هذه المعارف، ولم يُقصر المحقق هذه المحاولات على المصنّف وحده، بل ساق شواهد ناصعة تفصّل تلك المحاولات وتدعم هذا المدعى، عارضاً في الوقت ذاته وجهة نظره العميقة حول تفسير خصائص الكتاب المحقَّق.

ثالثاً: الوضوح والمنهجية في خطوات التحقيق
تميز عمل الشيخ العمير بالوضوح التام في بيان خطوات التحقيق والغاية المرجوة منه بأسلوب مختصر ومسلسـل، إذ أبان -وفقه الله- عن منهجه، وأوضح الثمرة الجليّة التي تترتب على هذا السعي المبارك، فجاءت فكرته منسابة بعيدة عن الإسهاب الممل والمعقد.

رابعاً: ثمرة العنونة وتهيئة ذهن القارئ
لعل من أبهى ثمار هذا التحقيق التي تلمستها بوضوح أثناء القراءة، هو قيام المحقق بوضع عناوين وتسميات لبعض المباحث الاستدلالية التي كانت مسرودة في الأصل بلا عناوين، وهذه اللفتة الذكية قدّمت خدمة جليلة للقارئ؛ إذ تهيئ ذهنه مسبقاً لاستقبال المادة المطروحة، وتوجه وعيه لاستيعاب الثمرات والفوائد المتوخاة من البحث، فالعنوان المضاف يفتح مغاليق المطلب ويسهل تَلَقِّيه، وبذلك يقف القارئ على تحرير المصنف للمطلب، ومعرفة بدايته ونهايته، قبل الشروع في مبحث آخر.

خامساً: سلاسة المتن وقيمة الاختصار
وبالانتقال إلى أصل المتن، فقد امتاز بسلاسة العبارة، والاقتصار التام على موضع الحاجة، وإن قلة المناقشات الطويلة في المتن منحت البحث تركيزاً أعمق وأدق، مما يتيح لذهن القارئ الانصباب مباشرة على جوهر المطلب وفهمه أولاً، قبل التفرع إلى الآراء والمناقشات الجانبية، وهذا النمط -بلا شك- يعد ميزة جليلة تخدم الباحثين طالبي التركيز. ومع أن الموضوعات التي تناولها المتن هي عينها المسائل الأصولية المتداولة عند فطاحل العلم (كالأخوند الخراساني، والشيخ الأنصاري، والسيد الخوئي وغيرهم)، إلا أن هذا الكتاب تميز عنهم بالإيجاز البليغ والاقتضاب المحكم.

وقد جاءت تعليقات المحقق الكريمة بمثابة محاكاة واعية للمتن؛ إذ اتسمت في أغلبها بالإيجاز والاقتضاب، فتشعر وأنت تقرأ بوجود نَفَس متصل وحوار لطيف بين الماتن والمحقق، هذه التعليقات تمنح الدارس لفتات رشيقة، تبين له موافقة المطلب لرأي الآخوند أو الأنصاري، أو موقعه بين مشهور الأصوليين، وهي تفتح للطالب مفتاحاً ينطلق منه للنظر في الآراء المقارنة، والوقوف على آراء السيد السبزواري رحمه الله، وهل وافقت المشهور أم خالفت كفاية الآخوند أو رسائل الأنصاري...

سادساً: تجلي الذوق الأدبي والأصولي
ومن اللمسات البارزة في متن السيد (عليه الرحمة)، تلك اللفتات البيانية والذوقية الرفيعة التي تجلت -على سبيل المثال- في مباحث الألفاظ عند حديثه عن الاستعمال الحقيقي والمجازي للفظ، حيث يقول ما نصه:
"والاستنكار وعدمه يختلفان بحسب الأعصار والأمصار والعادات المختلفة غاية الاختلاف، فالمجاز والاستعارة والكناية مجرد اصطلاح، والمدار كله على صحة الاستعمال بحسب الذوق السليم والطبع المستقيم، سُمّي بتلك الاصطلاحات أو لا"

وهي لفتة بالغة الجمال تشير إلى أن المتذوق للغة، والمتمرس فيها، والعارف بتصاريفها وتفرعاتها، هو الحكم في تلمس الاستعمال المجازي والكنائي، سواء سُمّي باصطلاح بلاغي معين أم لم يُسمّ. فالمدار كله يدور مدار صحة الاستعمال المنبعثة من الذوق السليم والطبع المستقيم، والحق لم أجد من قدّم هذا المطلب بهذه الصورة السلسة العذبة المستساغة مع ما فيها من رأي جريء كما قدمها السيد السبزواري عليه الرحمة.

خاتمة: هذه قراءتي المتواضعة وطوافـي السريع في رحاب الجزء الأول من هذا السفر المبارك، على أمل أن تتاح لي الفرصة قريباً لمطالعة الجزء الثاني، لأقتبس من نوره ما ينفعني وينفع طلاب العلم.

أدعو الله جل وعلا أن يتقبل هذا السعي المشكور، وأن يجعل هذا العمل مرضياً ومقبولاً عند صاحب الأمر (عجل الله فرجه)، ونافعاً لطلبة العلوم الدينية، كما أجدد شكري الوافر وثنائي العاطر لسماحة الشيخ الدكتور محمد العمير على حسن ظنه ولطف إهدائه، ودام توفيقه وتسديده.

والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد و آله الطاهرين،،،


error: المحتوي محمي