واحنا صغار، وفي طفولتنا ( بداية السبعينات الميلادية ) ، كانت هناك أشياء كثيرة لم نفهم حكمتها إلا بعد سنوات وكبرنا ، كنا نظن أن بعض الأوامر والتصرفات مجرد عادات يومية يمارسها الآباء والأمهات، ثم نكتشف مع مرور تقدم العمر أنها دروس حياة وتربية متكاملة، قُدمت لنا بهدوء ومن خلال السلوك والممارسة اليومية أكثر من الكلمات والنواهي والتسلط.
⁃ حكمة الوالد.
أتذكر والدي - رحمه الله - وهو يحرص على إعادة الأشياء إلى أماكنها بعد الانتهاء منها، وينزعج كثيراً إذا رأى شيئاً مرمياً في غير موضعه ، المفتاح يعود إلى مكانه، والكتاب إلى رفّه، والحذاء إلى موضعه، والثوب ، والشراب ( لدلاغ) وحتى الأشياء الصغيرة التي قد لا ينتبه لها أحد ، لم يكن يرفع صوته مطالباً بالنظام ، ولم يكن يلقي المحاضرات حول أهمية الترتيب، بل كان يمارس ذلك أمامنا حتى أصبح جزءً من شخصيته، وجزءً من ذاكرتنا.
⁃ مجرد هوس.
في ذلك الوقت كنا نرى الأمر تفصيلاً عادياً، وربما ظن بعضنا أنه نوع من التشدد أو المبالغة، لكننا أدركنا لاحقاً أن إعادة الأشياء إلى أماكنها ليست مجرد ترتيب للمقتنيات، بل ترتيب للحياة نفسها ، فالفوضى والإهمال وترك الأشياء الشخصية ، لا تستهلك وقتنا فقط، بل تستهلك شيئاً من مزاجنا وهدوئنا وطاقتنا أيضاً ، أما النظام فيمنح العقل مساحة للتفكير، ويجعل الحياة أكثر سلاسة وأقل توتراً.
-البيت مدرسة.
ولم يكن البيت في تلك الأيام مجرد جدران وسقف يأوينا، بل كان مسؤولية مشتركة بين جميع أفراد الأسرة ، كانت الوالدة - رحمها الله - كما الأمهات ، تبذل جهداً كبيراً في إدارة شؤون المنزل ، ما بين تربيتنا و مذاكرتنا وخصوصاً الحفظ ، ومتابعة دراستنا ، وغسيل الملابس وإعداد الطعام وتنظيف البيت والالتزامات الاجتماعية كحضور مجالس الذكر ، مهام يومية التي لا تنتهي ومتكررة ، وكان الوالد حريصاً على ألا تتحمل الوالدة كل تلك الأعباء وحدها، فكان يوزع المهام بيننا بوضوح وعدالة ، لكل فرد دور، ولكل مهمة وقت محدد، والجميع يشارك بقدر استطاعته.
⁃ عطلة.
أتذكر جيداً أيام الإجازات المدرسية، خصوصاً الخميس والجمعة، حين يتحول البيت إلى ورشة عمل أسرية صغيرة ، كانت أعمال الغسيل والتنظيف والترتيب والذهاب للچبرة جزءً من برنامج اليوم ، لم نكن ننظر إليها دائماً بعين الرضا، فالنفس تميل إلى الراحة واللعب أكثر من ميلها إلى المسؤولية، لكن الوالد رحمه الله ، كان يرى في هذه الأعمال مسؤولية وتربية قبل أن تكون خدمة للبيت.
⁃ أتذكر جيداً.
ومن المهام التي ما زالت عالقة في الذاكرة مهمة تنظيف ( تنسيف) خيشة العيش (الرز) البشاور كاملة، والتي قد يصل وزنها إلى مئة كيلوغرام، من السوس والشوائب الصغيرة قبل وضعها في “الدرام” واستخدامها ، كانت مهمة تحتاج إلى وقت طويل ، ودقة وصبر ، وعيون ،وقوة ملاحظة، وغالباً ما توكل إلينا جميعاً لتخفيف العبء عن الوالدة ، يومها كنا نراها مهمة طويلة ومملة ، أما اليوم فأدرك أنها كانت تدريباً عملياً على التركيز وتحمل المسؤولية، وأن العمل المتقن يحتاج إلى صبر مهما بدا بسيطاً.
⁃ حكاية كيس الوسخ.
وكان إخراج أكياس النفايات - أكرمكم الله - من الأعمال الثابتة التي لا تحتاج إلى تذكير يومي ، لم تكن الوالدة تأمر أو تكرر الطلبات باستمرار، فقد كانت هناك أوقات معروفة ومهام موزعة سلفاً ، كل فرد يعرف ما عليه فعله ومتى يؤديه، دون حاجة إلى كثير من النقاش أو التذكير.
⁃ خباز سعيد ودكان المساعيد.
كما كانت مهام الذهاب إلى البقالة أو الخباز موزعة بيننا جميعاً ، لم يكن الأمر مرتبطاً بشخص واحد، بل كان نوعاً من المشاركة اليومية التي تجعل كل فرد يشعر بأنه جزء من إدارة البيت واستقراره ، وكثيراً ما كنا نحمل قائمة الاحتياجات في ذاكرتنا ( مو ورقة ) ونعود بها ناقصة !! ، ومع هذا نشعر أننا أنجزنا عملاً مهماً للبيت ، ومن الصور الجميلة التي لا تزال حاضرة في الذاكرة إرسال بقايا الطعام، خصوصاً بعد وجبة الغداء، إلى بعض البيوت ( نجمة رحمة الله عليها) التي كانت تربي الطيور كالدجاج والبط ، وبعض الحيوانات الأليفة ، كانت مهمة بسيطة في ظاهرها، لكنها كانت تحمل معاني العطاء وعدم الإسراف والتواصل الاجتماعي بين الجيران.
⁃ خبز قبل اللعب.
ولم يكن الذهاب إلى الخباز وشراء الخبز من المهام البسيطة كما قد يظن البعض اليوم ، فكان الأمر يتطلب الذهاب إلى الخباز مبكراً، والوقوف في الطابور وانتظار الدور ، وبينما نقف هناك كانت أصوات الصبيان تصلنا من “البراحة”، حيث مباريات الكرة واللعب والضحك، وبالنسبة لصبي لم يتجاوز العاشرة من عمره، لم يكن الانتظار أمراً سهلاً، بل كان اختباراً حقيقياً للصبر ،والانضباط ،كنا نرى أصدقاءنا يلعبون ونتمنى أن نكون بينهم، لكن المهمة التي أوكلت إلينا كانت تسبق اللعب ، وربما تضايقنا أحياناً أو استعجلنا العودة، إلا أننا عندما كبرنا أدركنا أن تلك الدقائق لم تكن وقتاً ضائعاً، بل كانت تدريباً عملياً على الإنجاز وتحمل المسؤولية.
⁃ ها صليت؟
ولم تتوقف التربية عند حدود الأعمال المنزلية فقط، بل امتدت إلى تفاصيل يومنا كله ، مع من تمشي وولد من ! ، وكنا نعرف أن العودة إلى البيت تكون قبل أذان المغرب، وأن التوجه إلى العين أو مكان الاغتسال والتنظيف والاستعداد للصلاة جزء من نظام الحياة اليومي ، وما زالت تتردد في ذاكرتي تلك العبارة التي كان الوالد يرددها باستمرار:
“ها… صليت؟”
سؤال بسيط في ظاهره، لكنه كان يحمل اهتماماً وتذكيراً ومتابعة، ويؤكد أن الواجبات الدينية والأخلاقية جزء لا يتجزأ من التربية.
شركة أرامكو
وكان الوالد - رحمه الله - يتابع أداء هذه المهام باهتمام، ويكرر عبارته التي ما زالت ترن في الذاكرة حتى اليوم:
“خلص شغلك ( اللي في إيدك) وروح العب.”
جملة قصيرة، لكنها كانت تختصر فلسفة تربوية كاملة ، فقد علمتنا أن الواجب يسبق المتعة، وأن الراحة تكون أجمل عندما تأتي بعد إنجاز العمل، وأن الإنسان لا يهرب من مسؤولياته بل ينجزها ثم يستمتع بوقته.
-كبرنا.
ومع مرور السنوات اكتشفنا أن المقصود لم يكن تنظيف البيت أو قضاء الحاجات اليومية فقط، بل بناء شخصية قادرة على تحمل المسؤولية واحترام جهود الآخرين ، فالإنسان الذي يشارك في أعمال المنزل يدرك حجم الجهد المبذول فيه، ويصبح أكثر تقديراً لوالديه وأكثر استعداداً لخدمة أسرته مستقبلاً ، واليوم، عندما أتأمل تلك التفاصيل الصغيرة، أجد أنها صنعت جزءً مهماً من شخصياتنا ، لم تكن الدروس تأتي من المدرسة و الكتب وحدها، بل من خيشة عيش تُنظف بعناية، أو كيس نفايات يُخرج في موعده، أو مشوار قصير إلى الخباز، أو مهمة لخدمة جار ، كانت تفاصيل بسيطة، لكنها غرست قيماً كبيرة.
⁃ قدوة.
اليوم، وبعد أن كبرنا وتفرقت بنا مشاغل الحياة، ما زالت تلك المشاهد الصغيرة حاضرة في الذاكرة ، خيشة الرز، وكيس النفايات، ومشوار الخباز، والعودة إلى البيت قبل المغرب، وسؤال الكبار: “ها… صليت؟” ، لم نكن ندرك حينها أن هذه التفاصيل اليومية كانت تبني في داخلنا شيئاً أكبر من مجرد إنجاز المهام ، لقد تعلمنا أن البيت ليس فندقاً تقدم فيه الخدمات ، والأم ليس خادمة ! بل أسرة يتشارك أفرادها المسؤوليات ، وتعلمنا أن احترام الوقت يبدأ من الالتزام بالمواعيد الصغيرة، وأن تقدير الوالدين يبدأ من المشاركة في تخفيف أعبائهما، وأن الإنجاز ليس في الأعمال الكبيرة فقط، بل في أداء الواجبات البسيطة بإتقان واستمرار ، وربما لم يترك لنا والدانا - رحمهما الله - ثروة كبيرة أو قصوراً فخمة، لكنهما تركا ما هو أثمن من ذلك كله ، تركا لنا قيماً ما زالت ترافقنا في أعمالنا وعلاقاتنا وتربيتنا لأبنائنا ، وهذا هو الإرث الحقيقي الذي لا يُقاس بالمال، بل بالأثر الذي يبقى في الإنسان ما بقيت حياته ، رحم الله والدينا ووالديكم، فقد علمونا أن البيت الناجح لا يقوم على الجدران الجميلة والأثاث الفاخر والمرتب فقط، بل على التعاون والمحبة وتقاسم المسؤوليات ، وما زلت أؤمن أن كثيراً من القيم التي نفتقدها اليوم كانت تنمو بهدوء داخل بيوتنا البسيطة ، عندما كان لكل شيء مكان ، ولكل واحد منا دور ، ولكل واجب ومسؤولية وقت ، يسبق الراحة واللعب .



