المال القليل لا يحتمل عبثًا كثيرًا؛ فالريال عند محدود الدخل ليس رقمًا في محفظة، بل عَصَبُ يوم، وسترةُ بيت، ودواءُ مريض، وطمأنينةُ طفل. ومن هنا كان التحوّط المالي في حقّ الفقير وذوي الدخل المحدود ضرورةً قبل أن يكون مهارة، وحكمةً قبل أن يكون رفاهية.
الغنيّ إذا تعثّر وجد في احتياطه ما ينهض به، أمّا محدود الدخل فإذا تعثّر فقد يسقط معه جدول البيت كلّه: القسط، والإيجار، والغذاء، والدواء. لذلك فإن قطرات المال تحتاج إلى حراسة أشدّ من النهر الجاري؛ لأن النهر إن فاض عوّض نقصه، أمّا القطرة إذا ضاعت فقد لا تعود في وقت العطش.
وكما أنّ الأقليات إن لم تتماسك تناثرت، وإن تناثرت ضعفت، كذلك الدخل المحدود؛ إن لم يُجمع بعضه إلى بعض، ولم يُحمَ من ثقوب الاستهلاك، تسرّب في التفاصيل الصغيرة حتى يفاجأ صاحبه أن الشهر أطول من الراتب، وأن الرغبات أقوى من القدرة.
وقد رسم القرآن ميزان الإنفاق بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا﴾، وحذّر من التبذير بقوله: ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾. وفي الحديث: «كفى بالمرء إثمًا أن يضيّع من يعول»؛ وأيّ تضييع أشدّ من أن تُترك الأسرة بلا احتياط، ولا خطة، ولا سترٍ عند الطوارئ؟
والعقل في المال لا يحتاج إلى شاهدٍ منسوب بقدر ما يحتاج إلى يقظةٍ حاضرة؛ فالحكمة أن تُطفأ نار المظاهر قبل أن تحرق الراتب، وأن تُقدَّم الحاجة على الشهوة، وأن يُجعل في كل دخلٍ هامشٌ للطوارئ، ولو كان يسيرًا. فالقليل المحفوظ يفتح باب الطمأنينة، والكثير المنفلت يغلق أبواب الأمان، ومن حفظ قطراته اليوم لم يمدّ يده غدًا عند أول عطش.
للتحوّط إيجابياته: كرامة، وستر، وطمأنينة، ومقاومة للأزمات. وله آفة إن انقلب إلى خوف وبخل وحرمان. والميزان أن نعيش بلا إسراف، وندّخر بلا قسوة؛ فالحياة لا تطلب منا أن ندفن الفرح، بل أن لا نشتريه بالدَّين والندم.



