ها نحن اليوم نقف على أعتاب نهاية حرب قد تكون الأخيرة في منطقتنا بعد عقود طويلة عاصرت فيها شعوبنا الحروب والأزمات والتوترات السياسية التي لم تترك جيلاً إلا وأثرت فيه ولعل أكثر الأجيال تأثراً هو جيل ما بعد الستينات ذلك الجيل الذي فتح عينيه على عالم مضطرب وعاش معظم سنوات عمره بين أخبار الحروب وصوت البيانات السياسية والقلق من الغد
هذا الجيل لم يعرف الاستقرار الطويل كما عرفته بعض الشعوب الأخرى بل عاش متنقلاً بين حرب وأخرى وبين أمل قصير وخيبة طويلة فمنذ بدايات وعيه وهو يسمع عن النزاعات والانقسامات والمواجهات حتى أصبحت الأزمات جزءاً من ذاكرته اليومية وشيئاً ملازماً لتفاصيل حياته ولذلك لا يمكن إنكار الأثر النفسي العميق الذي تركته تلك السنوات في نفوس الناس حتى وإن بدا بعضهم قوياً أو متماسكاً من الخارج
وعندما ننظر إلى الجيل الجديد جيل الكمبيوتر والهواتف الذكية والآيباد نجد أن حياته مختلفة تماماً عن حياة الأجيال السابقة فقد اعتاد على الراحة وسرعة الوصول إلى كل شيء وعلى عالم رقمي جعل الحياة أسهل بكثير مما كانت عليه في الماضي وربما لو عاش هذا الجيل بعض ما عاشه من سبقه لكان الأمر شديد القسوة عليه لكن الله سبحانه وتعالى يلطف بعباده ولكل زمان ظروفه وقدرته وتحمل أهله
ومع ذلك فإن المقارنة بين الأجيال لا تعني أن جيلاً أفضل من جيل فلكل زمن رجاله وتحدياته الخاصة فزمننا لم يكن كزمن آبائنا وأجدادنا الذين عاشوا قبل مئة عام أو أكثر حين كانت الحياة قاسية وبسيطة في الوقت نفسه وكانت المعاناة مختلفة في شكلها لكنها عظيمة في أثرها وكذلك نحن عشنا زمن التحولات والحروب والتغيرات السريعة التي شكلت وعينا وطريقة تفكيرنا
ولهذا جاءت الحكمة الخالدة المنسوبة للإمام علي بن أبي طالب عليه السلام لكل زمان دولة ورجال فهي ليست مجرد عبارة تقال بل وصف دقيق لطبيعة الحياة وتغيرها المستمر فرجال كل عصر يتشكلون وفق ظروف زمانهم وتختلف طباعهم وقوتهم وأساليب حياتهم عن الذين سبقوهم أو سيأتون بعدهم
إن الزمن لا يتكرر والأجيال لا تتشابه وكل إنسان يحمل من آثار عصره ما يصنع شخصيته ونظرته للحياة وربما لهذا السبب يبقى فهم الأجيال لبعضها أمراً يحتاج إلى رحمة لا إلى مقارنة قاسية لأن كل جيل خاض معركته الخاصة لكن تختلف الوجوه والأسماء ويبقى الإنسان في النهاية يبحث عن الأمان والطمأنينة وحياة أقل قسوة مما عاشه من قبله…



