30 , مايو 2026

القطيف اليوم

المقدس البيات أثرٌ لا يخبو

لم يكن رحيل سماحة المقدس الحجة الشيخ منصور البيات (رفع الله درجته) نهايةً لقصته مع القطيف، بل كان بدايةً لظهور عمق الأثر وتجلّي الثمر.

لقد أدركتُ وجوده الشريف وأنا ما زلت في مقتبل العمر، يافعًا مقبلًا على الحياة، لكنني اليوم - وبعد مضي أكثر من ربع قرن على رحيله - أجدني مدركًا، وبشكل أعمق، لعظيم ثمرة وجوده وبقاء بركاته.

في هذا المقام لا أقف متحدثًا عن علمه، أو درسه وتدريسه، ولا عن تفاصيل حياته وأسرته وزهده؛ فهناك من الفضلاء والعلماء وأفراد أسرته الكريمة من هو أولى مني بذلك، وقد أفاضوا فيه، إنما أريد أن أسلط الضوء على ثمرة استثنائية من ثمار وجوده الشريف في القطيف؛ ثمرة صناعة الإنسان، وتربية النفس، وبقاء الآثار.

فالعالِم تارةً يكتب كتابًا، فيبقى ويُستفاد منه بمقدار معين.

وتارةً يقود حراكًا اجتماعيًا، فيترك أثرًا تسير عليه المجتمعات.

وتارةً يبني صرحًا علميًا، يخلّد اسمه من بعده.

لكن المقدس الشيخ منصور البيات، ومع تركه لجملة من هذه الآثار، اختار البناء الأصعب؛ لقد بدأ بتربية نفسه أولًا، حيث أخضع هذه النفس لخالقها، فصارت نموذجًا حيًا للمؤمن الخاشع، الذاكر، الخاضع لله عز وجل. وربّاها على منهج سلوكي خالص، يمر عبر صراط محمد وآل محمد، بتمثّل توجيهاتهم، فصبر وصابر وجاهد، حتى صاغ من نفسه ذكرًا شريفًا يفيض بالخير.

لقد انعكست تربيته لنفسه على أفعاله قبل أقواله، فكان يجلس الساعات الطويلة في المسجد بين المؤمنين؛ مصليًا، وذاكرًا، ومهذبًا، فالتفت حوله ثلة مؤمنة عرفت حسن منهجه، فتشربت من روحه واقتبست من نوره.

واليوم، وبعد رحيله بأكثر من عقدين من الزمن، إذا تأملت في أولئك الذين تربوا في محراب حضرته، ستجدهم يعكسون ذلك الشعاع النوراني، فهم أولئك الذين:

* يملؤون المساجد والمحافل والحسينيات بذكر الله.
* يحيون السنن والعبادات، ويبحثون المسائل، ويتواصلون ويتزاورون على مائدة الإيمان.
* ينعكس نتاج تربيتهم في سلوكهم اليومي أمانةً، وصدقًا، وخلقًا، وبشاشةً، ومسارعةً في الخير والعطاء، مصداقًا لقوله عز من قائل: ﴿وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾.

إن من يراهم يعرف فورًا أنهم صنيعة المقدس الشيخ منصور البيات، وأنهم حواريوه الذين انعكس شعاع روحه الطاهرة عليهم.

إنها، لعمري، ثمرة عظمى؛ فنفس واحدة ملهمة استطاعت أن تصنع نفوسًا كثيرة ملأت المجتمع بالخيرات.

ليست الثمار فقط فيما خُط وكتب، أو ما سُجّل وحُفظ - وإن كانت كلها ثمارًا جليلة - لكن صناعة النفس أشق وأصعب بكثير من صناعة الورق والآلات، وأيم الله، إن النفس التي يستطيع الإنسان ترويضها، وترويض الآخرين بها، لهي أشد خطرًا وأعظم أثرًا.

إن سلوكًا واحدًا، والتزامًا عمليًا مشهودًا من شيخ له وزنه وقيمته وعطاؤه، لهو خير أثرًا في النفوس من عشرات الخطب ومن عشرات الكتب.

إنما أردت تسجيل هذه الكلمات لألفت أنظار مجتمعي الحبيب في القطيف إلى هذه الثمرة الحية، لكي يستشعروا وجود هؤلاء الحواريين بيننا اليوم، ويدركوا سر تميزهم، ولمَ هم سباقون دائمًا لملء القطيف بالخيرات.

إن تلك الأجيال الذين كانوا شبابًا يلتفون حوله أصبحوا اليوم شيوخًا، هم الثمرة النابضة لغرسه.

إن الداعي لكتابة هذه السطور إحياء المؤثر الحي الذي نتلمسه ونستشعره بقوةٍ تفوق قوة التأثير للكتب والخطب والمقالات.

دعوتي لمجتمع القطيف الغني برهط الخير وصنّاع النفوس، أن يلتفوا حول كل من يصنع أنفسًا زكية كنفوسهم.

والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.


error: المحتوي محمي