29 , مايو 2026

القطيف اليوم

أبناء الأربعين وفوق الأربعين!

نحن أبناء وبنات ما فوق الأربعين من ماذا نخشى؟ من ماذا نخاف؟ كم نعطي من عمرنا للدنيا؟ كم نعطي من عمرنا للآخرة؟ خالص الدعوات لكم أن تصحَّ أجسامكم وتطولَ أعماركم وتطيبَ أعمالكم حتى تقولون كفانا يا ربّ!

على ما يبدو أن سنّ الأربعين فيه تتحقق أشياء كثيرة؛ إكمال سنوات الدراسة التقليدية، الرسو في وظيفة، اختيار زوج، إنجاب أطفال، بناء دار، ابيضاض الشعر وتجعد وجنات الخدود، والأهم من ذلك أن سنّ الأربعين فيه يبلغ الإنسانُ مرحلة الأشدّ واكتمال النضج العقليّ والروحي.

{وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا ۖ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا ۖ وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا ۚ حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي ۖ إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ}.

من يتتبع ما جاء من أحاديث دينية في سنّ الأربعين يجدها خطيرة جدًّا - وذلك لا يعني أن ما قبلها أقل خطورة - إلا أن سنّ الأربعين كما يبدو نقطة انقلاب في الفكر والجسم. في الأربعين يصعد الفكر وتصعد القوة الجسدية إلى مرتبة عالية، أو قمة المراتب. 

تتراجع القدرات البدنية مع التقدم في السن، لكن الكثيرين منا يظنون أن هذا لن يمثل مشكلة إلا بعد بلوغنا سن الشيخوخة. تشير بعض الدراسات الحديثة إلى أن اللياقة البدنية والقوة تبدأ بالتراجع في سن الخامسة والثلاثين، بغض النظر عن ممارسة الرياضة. ويتبع ذلك تدهور تدريجي يتسارع مع التقدم في العمر.

لذلك يقول لنا عمر الأربعين بصوتٍ عال: أنتم وصلتم إلى القمة في العقل والجسم. احذروا فإن العمر يمر بسرعة والشيء إذا انتصف ذهب كله. لكننا للأسف نهرب من حقيقة تحذير العمر ونتصرف وكأن سنوات العمر بعدد حبات تلال الرمل. لا نعتبر الأربعين سنوات الوقار و الرشد والنضج!

يصف الشاعر دعبل الخزاعي حضور الشيب في سنّ الأربعين فيقول: 

أَلقى عَصاهُ وَأَرخى مِن عِمامَتِهِ .. وَقالَ ضَيفٌ فَقُلتُ الشَيبُ قالَ أَجَل
فَقُلتُ أَخطَأتَ دارَ الحَيِّ قالَ وَلِم .. مَضَت لَكَ الأَربَعونَ الوُفرُ ثُمَّ نَزَل
فَما شَجيتُ بِشَيءٍ ما شَجيتُ بِهِ .. كَأَنَّما اِعتَمَّ مِنهُ مَفرِقي بِجَبَل

غاية المرام يا كرام أن ابن العشرين يموت وابن الثلاثين يموت وابن المائة يموت لأن الزمن يمشي في اتجاهٍ واحد، إلى الأمام دائمًا، فلا نشعر إلا والعمر مرّ في لحظة واحدة بينما هو مر في سنوات. في سن العشرين نجري مثل الغزلان، نأكل مثل الأسود ونحمل حمل حصان، ثم إذا كبرنا ذهب كل ذلك أو جزءٌ كبير منه ونعود ننحني ونتقوسَ كالعرجونِ القديم. 

ليس في قدرتنا العودة إلى سنوات الصبا أو الهروب من سنوات الشيخوخة وعلينا الاستفادة من فسحة العمر. لله درّ الشاعر الدمستاني، المدفون في مقبرة القطيف، حين يطرح سؤالًا رائعا:

ما عُذرُ من بلغ العشرينَ إن هَجَعَتْ ..عيناه أو عاقَه عن طاعةٍ كَسلُ؟


error: المحتوي محمي