26 , مايو 2026

القطيف اليوم

العيدية… فرحٌ صغير يفتح أبوابًا كبيرة

العيدية ليست واجبًا شرعيًا ولا ضريبة عائلية تُجبى يوم العيد، ولكنها من أجمل العادات إذا بقيت في مكانها النبيل: هدية محبة، وبذرة فرح، ورسالة تقول للطفل: العيد جاء، وأنت في القلب حاضر. فالعيد في الإسلام ليس يوم ثيابٍ جديدة فحسب، بل يوم سرورٍ مشروع، وصلةٍ دافئة، وذكرٍ وشكر؛ وقد جاء في الحديث أن أيام العيد أيام أكل وشرب وذكر لله، بما يدل على أن الفرح جزء من روح المناسبة لا عيب فيها ولا تكلّف. 

العيدية لا تُقاس بكبر المبلغ، بل بحسن الأثر. خمسة ريالات في يد طفل قد تصنع في قلبه مهرجانًا، وخمسون ريالًا قد تفسد معناها إن صارت مجالًا للمقارنة والتفاخر. المشكلة ليست في العطاء، بل في تحويل العطاء إلى إعلان: فلان أعطى أكثر، وفلان أعطى أقل. هنا تموت العيدية، وتولد المنافسة الثقيلة. والله تعالى يربّي فينا أدب الإنفاق، فقال: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾، وقال في الصدقة: ﴿وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾؛ فالأصل أن يظل العطاء نقيًا من الرياء، خفيفًا على النفس، كريمًا في أثره. 

أما المبلغ المناسب، فهو ما لا يحرج المعطي ولا يطمع الآخذ. العيدية الجميلة هي التي تخرج من اليد بلا ندم، وتدخل القلب بلا كسر. وقد يكون من الحكمة أن تتفق العائلة أو أهل الحي أو لجنة الاحتفال على مبلغ رمزي ثابت للأطفال؛ حتى لا يخجل قليل المال من قلّته، ولا يستعرض واسع المال بسعته. فالفرح إذا نُظّم صار أعدل، وإذا عُمّم صار أجمل.

وللعيدية معنى عميق في نفس الطفل؛ إنها أول درس صغير في الملكية، والادخار، والاختيار. يستطيع الأب أن يقول له: خذ جزءًا تفرح به، وجزءًا تدخره، وجزءًا تتصدق به. وهكذا تتحول الورقة الصغيرة إلى مدرسة مالية وأخلاقية.

وهل للكبار عيدية؟ نعم، ولكنها ليست دائمًا مالًا. قد تكون ظرفًا صغيرًا لأمٍّ كبيرة، أو هدية لأبٍ ينتظر لمسة وفاء، أو باقة وردٍ لخالة، أو رسالة حبٍّ لأخت. الكبار يشتاقون للعيدية، لا لأنهم محتاجون إلى قيمتها، بل لأن في داخل كل كبير طفلًا قديمًا يفرح بمن تذكّره.

وما أجمل أن يحمل الإنسان مبالغ العيدية إلى أمه لتوزعها عنه؛ فحينها لا تكون العيدية مالًا فقط، بل بركة تمرّ من يد الأم إلى يد الأحفاد. يد الأم تجعل العطاء أحنّ، والفرحة أصفى، والبيت أكثر عيدًا.

وليست العيدية حكرًا على أطفال الإخوة والأخوات والأقارب؛ فمن وسّع الله عليه فليوسّع فرحه. طفل الجار، وابن العامل، واليتيم، والفقير، كلهم لهم نصيب من بهجة العيد. وخير الناس أنفعهم للناس، كما ورد في الحديث الحسن. 

وهل الفقير يوزع عيديات؟ نعم، إن استطاع، ولو قطعة حلوى، أو ريالًا، أو دعوة، أو ابتسامة صادقة. فالفقير ليس ممنوعًا من الكرم؛ الكرم ليس رصيدًا في البنك، بل رصيد في القلب.

وقد قال الشعراء في العيد ما يرفع الروح، ومن جميل معانيهم أن العيد يأتي حاملًا البشر والأنس والفرح، لا ليزيد الفوارق بين الناس، بل ليجمع القلوب على البهجة. 

العيدية إذن ليست مبلغًا يُعدّ، بل محبة تُهدى. إن صغرت كبرت بالنية، وإن كبرت صغرت بالتفاخر. فاجعلوا عيدياتكم جسورًا لا مقاييس، وابتسامات لا منافسات، وعلّموا أطفالكم أن أجمل ما في العيد ليس ما يدخل الجيب، بل ما يدخل القلب.


error: المحتوي محمي