21 , مايو 2026

القطيف اليوم

حين يُؤلِّه الإنسانُ هواه

ما أخطرَ أن يسمع الإنسانُ الحقَّ واضحًا كالشمس، ثم يلوذَ بالعناد كأنما بينه وبين النور ثأرٌ قديم. وما أقسى أن تُعرض عليه الكلمةُ الصادقة، والدليلُ البيّن، ورأيُ أهل العلم والاختصاص، فإذا به لا يبحث عن الحقيقة، بل يبحث عن منفذٍ يُدخل منه هواه، ويُلبسه ثوب العقل، ثم يسميه اجتهادًا.

إن المشكلة ليست في السؤال؛ فالسؤال باب علم، ولا في الحوار؛ فالحوار طريق رشد، ولا في التفكير؛ فالعقل نعمة من نعم الله. ولكن المشكلة حين يتحول السؤال إلى مكابرة، والحوار إلى مراوغة، والتفكير إلى وسيلةٍ لتطويع النص لا لفهم النص. هنا لا يعود الإنسان طالبَ هداية، بل يصبح محاميًا عن رغبته، وقاضيًا لصالح شهوته.

وقد صوّر القرآن هذا الداء تصويرًا بليغًا في قوله تعالى:
﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ﴾.

فليست المصيبة أن يجهل الإنسان، بل أن يعلم ثم يعاند؛ وأن يرى الطريق ثم يختار الحفرة؛ وأن يسمع النداء ثم يجيب صدى نفسه لا صوت الحق.

ولعل أول مشهدٍ عظيمٍ في تاريخ المكابرة هو موقف إبليس حين جاءه الأمر الإلهي بالسجود لآدم، فلم يقل: سمعنا وأطعنا، بل فتح باب القياس الفاسد، وقال:
﴿أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾.

لم تكن مشكلته قلة فهم، بل كثرة كِبْر. لم يعصِ لأنه لم يسمع، بل عصى لأنه جعل رأيه فوق الأمر، ومقارنته فوق الطاعة، وهواه فوق التسليم. ثم لم يكتفِ بسقوطه، بل قال:
﴿لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾.

وهنا تكتمل صورة الخطر: العاصي الذي لا يكتفي بمعصيته، بل يريد أن يجرّ غيره إليها؛ حتى لا يبقى وحده في الطريق المظلم.

وهذا اللون من التفكير نراه اليوم في صورٍ كثيرة؛ صغيرة في ظاهرها، كبيرة في أثرها. فهناك من يسمع تحريم الخنزير في كتاب الله، فيقول في استخفاف: إن بعض الناس يأكلونه ولم يصبهم مرض! وكأن الحلال والحرام لا يقومان إلا على تقرير طبي عاجل، أو تجربة جسدية محدودة. والله تعالى يقول بوضوح:
﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ﴾.

فالتحريم تعبّد قبل أن يكون مختبرًا، وطاعة قبل أن يكون تجربة.

وهناك من يتحدث عن الحج فيقول: إن الحج أشهر، فلماذا يُحصر في أيامٍ معلومة؟ فيخلط بين زمن الاستعداد والدخول في النسك، وبين أركان الحج ومواقيته وأعماله التي بينها النبي صلى الله عليه وآله وسلم بقوله: «خذوا عني مناسككم». وكأن الدين يُفصّل على مقاس الرغبة، لا على هدي الوحي والبيان.

وهناك من يجادل في الحجاب، لا لأنه قرأ النصوص قراءة علمية، بل لأنه يريد للحياة أن تتسع لما يشتهي، ثم يبحث بعد ذلك عن عبارةٍ يعلّق عليها رأيه. مع أن الله تعالى يقول:
﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾، ويقول:
﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ﴾.

فليس الحجاب قيدًا على الكرامة، بل سياجٌ للعفاف، ووقارٌ للمرأة، ورسالةٌ تقول إن الجسد ليس سلعةً في سوق النظرات.

وهناك من يهوّن الخلوة بين الرجل والمرأة، فيقول: قد تكون العلاقة بريئة لا شهوة فيها. وهذا كلامٌ يبدو ناعمًا، لكنه يتجاهل طبيعة النفس، ومداخل الشيطان، وضعف الإنسان عند الفتنة. فالشريعة لا تنتظر سقوط الإنسان في البئر حتى تنصحه بالحذر، بل تضع له السور قبل الحافة. وقد قال تعالى:
﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾، ولم يقل: لا تزنوا فقط؛ لأن الخطر يبدأ من الاقتراب، والنار تبدأ من شرارة.

وهناك من يريد إعادة تعريف الأسرة كلها، فيصور خدمة المرأة لبيتها وزوجها وأبنائها وكأنها امتهان، وينسى أن الكرامة ليست في الخروج من البيت ولا في البقاء فيه، بل في رضا الله، وحسن العشرة، وتكامل الأدوار. فالمرأة ليست خادمةً حين ترعى بيتها، كما أن الرجل ليس عبدًا حين يسعى على أسرته؛ بل كلاهما يبنيان بيتًا واحدًا بيدين مختلفتين وقلبٍ واحد. وقد قال تعالى:
﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾، وقال:
﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾.

فليست القضية صراعًا بين رجل وامرأة، بل ميثاق مودة ورحمة.

وهناك من يزيّن إيداع كبار السن في دور العجزة بلا ضرورة، ويقول: إنها بيئة مناسبة لهم، كأنها مجلسٌ للأنس لا بديلٌ عن حضن الأبناء. نعم، قد توجد حالات قاهرة تحتاج إلى رعاية متخصصة، وهذا باب إنساني لا يُنكر. لكن تحويل الوالدين عند الكبر إلى ملف إداري وزيارة موسمية هو جرحٌ في معنى البر. والله تعالى يقول:
﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾، ثم يخص زمن الضعف بقوله:
﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ﴾.
فإذا كان التأفف ممنوعًا، فكيف بالجفاء المقنّع بعبارات الرفاه؟

ومن الناس من يستهين بالغيبة، ويقول: أنا أقول الحقيقة. ومنهم من يبرر الربا باسم الذكاء المالي. ومنهم من يطعن في العلماء لأن كلامهم لا يوافق رغبته. ومنهم من يسخر من العفة باسم التطور، ومن الحياء باسم الحرية، ومن الطاعة باسم الوعي. وكأن كل فضيلةٍ قديمة عنده تهمة، وكل شهوةٍ جديدة عنده فتحٌ حضاري مبين.

إن الخطر الأكبر ليس في أن يخطئ الإنسان؛ فكل ابن آدم خطّاء، وخير الخطّائين التوابون. ولكن الخطر أن يحوّل الخطأ إلى مذهب، والمعصية إلى رأي، والهوى إلى ثقافة، ثم يدعو الناس إليها في المجالس والمنصات والهواتف، حتى يصبح داعيةً إلى ما كان ينبغي أن يستغفر منه.

وقد حذّر القرآن من هذا المسلك حين قال:
﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾، وقال:
﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾.

فمن تمام العقل أن يعرف الإنسان حدّه، ومن تمام الدين أن يقف حيث يقف علمه. أما أن يتكلم غير المتخصص في الفتوى، ويجادل أهل العلم، ويعارض النصوص بذوقه، ويقيس الحلال والحرام على راحته، فهذه ليست حرية فكر، بل فوضى روح.

إننا لا ندعو إلى إغلاق باب الاجتهاد، ولكن الاجتهاد له أهله، كما أن الطب له أهله، والهندسة لها أهلها، والقضاء له أهله. فهل يقبل عاقلٌ أن يجري له عملية قلب إنسانٌ قرأ منشورًا طبيًا؟ فلماذا نقبل أن تُشرح أحكام الله بألسنة من لا يعرفون أصول العلم، ولا مقاصد الشريعة، ولا لغة النص، ولا موارد الحكم؟

الخاتمة أن الإنسان حين يجعل الوحي تابعًا لهواه، لا يصبح أكثر حرية، بل يصبح أسيرًا لشهوةٍ تتغير كل يوم. أما المؤمن الصادق فيسمع الحق، فيتواضع له، فإن فهم شكر، وإن لم يفهم سأل، وإن ضعف تاب، وإن أخطأ رجع. فالعظمة ليست أن ننتصر على النص، بل أن ننتصر على أنفسنا أمام النص.

اللهم اجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، ولا تجعلنا ممن زُيّن لهم سوء أعمالهم فرأوه حسنًا. واجعل قلوبنا لينةً للحق، لا صلبةً بالعِناد؛ خاضعةً للوحي، لا خادعةً باسم العقل؛ مقبلةً على الهدى، لا سائرةً خلف هوى يلبس ثوب الحكمة وهو يقود إلى الندامة.


error: المحتوي محمي