11 , مايو 2026

القطيف اليوم

الزلة الأولى: بداية الطريق أم بداية السقوط (٢)

بعد ارتكاب الإنسان أول خطأ في حياته يقف حينها عند مفترق طرق يحدد مساره بعدها، فإما أن يكون ذلك الخطأ - بعد وقوفه أمام مرآة النفس و المحاسبة - نقطة مضيئة في حياته و يشكل بداية تتنوّر بيقظة روحية، فيعمل جاهدا على تجنب كل الوسائل و المسببات لانزلاقه في طريق الخطايا، و إما أن يتخذ طريقا بخلاف الاعتراف و الإقرار بالخطيئة و يتخلّى عن مسئولية التصحيح و المعالجة، فينزلق نحو وهم التبرير ر تصغير شأن الخطأ و عدم استحقاقه شأن المحاسبة و التفكير في عواقبه، مما يشكّل بداية السقوط التدريجي في تسلسل للأخطاء يتوالى دون رادع عن التوقف، و هذا موضع مقتل الإنسان في خطاه حيث يسير كالأعمى و يتصرّف كما يحلو له؛ ليواجه بعد ذلك الحساب الإلهي و العقاب الأخروي جراء ما اقترفت يداه و قد أوصل نفسه إلى الخسران المبين، بخلاف الآثار الدنيوية لتسلسل ارتكاب الأخطاء حيث يسقط من أعين الناس، لسيره المخالف لغريزة حب النفس الإيجابي و طلب أعلى درجات التألق و التكامل لها.

و من الناحية الأخلاقية فإن الاستدارة عن طريق الخطايا و التفكير الجاد بتجنبها و العمل الحثيث للابتعاد عن دائرة مسبباتها و آلياتها تسمّى بالتوبة، و بداية طريق التوبة النصوح ينطلق من النظر إلى عواقب الأمور و الآثار المترتبة على فعل الخطيئة، و تدوينها في صحيفة أعمال الإنسان و مواجهته بها يوم القيامة ليُساءل عنها و يحاسب و يجازى عليها، و هذا ما يقوّي بصيرته و انبعاث إرادته نحو التوقف عن ذلك و إبداء الندم الشديد على ما صدر منه من فعل قبيح، و هذا الندم ليس بشعور عاطفي آني سرعان ما يتلاشى تأثيره و يتبخّر، بل هو وقفة عقلية و تخاطب مع النفس يوقفها عن غيها و يبين لها المآل لتسلسل الخطايا، و لهذا فإن الندم الحقيقي يمثّل تموضعا جديدا للنفس يصحح من خلاله الفرد مساره و علاقته بالله تعالى، و تبدي النفس انكسارا و خجلا من خطيئة يراه عليها المنعم و المتفضّل عليه بآلاء لا تُحصى.

بعد صدور الخطأ من الإنسان الواعي و المتحمّل لمسئولية أفعاله، يبدأ فيه انبعاث صوته الداخلي المُصدِر لجرس الإنذار و التنبيه، يدعوه للتوقف و النظر فيما صدر منه و التعامل معه بجدية و خطوة علاجية، فذلك الصوت الداخلي يدعوه إلى التوصيف المهني (العقلائي) بعيدا عن العواطف و المجاملات مع النفس و الانفعالية الحادّة، فيوصّف ما حدث منه بأنه فعل خاطيء و لا يصح صدوره من أي إنسان آخر و هذا ما نسميه بمرحلة الاعتراف، فإن حب النفس السلبي يدعو الفرد نحو التخلية من المسئولية و التهرب من تحمّلها، و ذلك من خلال محاولة الهروب إلى الأمام بتقديم المبررات الواهية و الأعذار غير المقبولة، و المكر الشيطاني يتحرك في هذا الإطار بمحاولة تخفيف وطأة الفعل على صاحبه و تحريك النفس نحو المحافظة على نقائها و نزاهتها، فيصوّر الموقف و كأنه لا يستحق التوقف عنده كما أن الكثير من الناس يرتكبونه!!!

و هذا ما يمثل الخطوات الأولى نحو طريق الانحراف و الغواية، فهذا طريق لا يتحقق دفعة واحدة بل هو وليد غفلة و تجاهل لصدور الأخطاء حتى يتغلغل في النفس تأثيرها على الفرد.


error: المحتوي محمي