10 , مايو 2026

القطيف اليوم

مبروك الرسوب!

أحد المواقف التي حصلت خلال دراستي الجامعية قبل حوالي اقل من ثلاثة عقود من الزمن، وبالتحديد في اخر فصل دراسي حيث كان يتعين على اجتياز أربع مواد من اجل انهاء كافة المتطلبات والحصول على الشهادة الجامعية. كان تحصيلي في ثلاث منها ممتازاً (كانت صحوة متأخرة) ولكن بقي مصير التخرج معلقاً بالنتيجة النهائية للمادة الرابعة. البعض من الزملاء المقربين، كانوا يعلمون بقلقي وخوفي الشديدين من الإخفاق في تلك المادة لأنه العلامات الدراسية لتلك المادة لم تكن جيدة وغير مُبشرة طوال الفصل الدراسي، وبقي الترقب سيد الموقف. وكانت المفاجأة عندما هاتفني أحد الاصدقاء بعد رصد الدرجات النهائية ليتأكد من رقمي الجامعي، بعدها قال "نعم هو انت، مبروك عَدَت على خير"! شكرته على هذا الخبر واصفاً إياه بانه أجمل خبر سمعته وكانت فرحة عارمة لا توصف. تعجب صديقي لأني لم أستفسر عن درجتي النهائية كما جرت عليها العادة في الظروف الاعتيادية، حينها لم أكن ابالي وحتى إن كانت أدنى درجة للنجاح (وهي كانت كذلك فعلاً) فالمعطيات تغيرت والرغبة في عدم الانتظار لعام دراسي اخر لتحقيق الحلم أصبحت واضحة، بل أصبح الشعار "تخرج وبس"!

عند متابعتي لاحد الدوريات الاوربية الكبرى لكرة القدم، أحتفل مشجعي وأنصار أحد الفرق بطريقة هستيرية لحصول فريقهم على المركز السادس عشر وبالتالي، تفادى الهبوط لمصاف اندية الدرجة الأولى وضمان المشاركة في الدوري الممتاز للموسم القادم! وفي نفس الدوري عاش عشاق ومشجعي أحد فرق المقدمة ليلة حزينة ومليئة بالإحباط، بسبب حصول فريقهم على المركز الثاني وبالتالي خسارة درع البطولة الذي كانت جماهير الفريق تمني النفس بأن يضاف الى خزانة النادي وكتابة التاريخ. بالنظر الى سلم الترتيب فان أنصار الفريق الأول اعتبروا ضمان البقاء في دوري الأضواء نجاحاً فهم لا يبحثون عن المنافسة والامجاد ولهم مبرراتهم، اما أنصار الفريق الثاني فقد اعتبروا عدم اعتلاء صدارة الترتيب والحصول على المركز الأول اخفاقاً نظراً لتاريخ الفريق الناتج من تراكم عمل لسنوات طويلة وما يملك من إمكانات مادية وبشرية سُخرت لخدمة اهداف الفريق.

فالنجاح بأبسط صورة هو الوصول الى الهدف المنشود، لذلك لا يوجد مقياس واحد للنجاح يناسب الجميع، وذلك بسبب اختلاف الأهداف. نعم هنالك معايير شائعة للنجاح ومشتركة لكثير من أهدافنا الشخصية والمهنية، تشتمل على الوقت، التكلفة، مستوى الجودة، رضى أصحاب المصلحة، القيمة المضافة من مخرجات العمل. على سبيل المثال: لا يُعد الانتهاء من العمل المطلوب نجاحاً إذا استغرق انجاز العمل فترة زمنية أطول بكثير من المدة المحددة، أو تجاوزت التكلفة الاجمالية الميزانية المرصودة لإتمام العمل، وذلك لأن المخرجات النهائية لا تتطابق مع الخطة الموضوعة والمتفق عليها قبل بدأ العمل. نعم المرونة في تجاوز المدة والميزانية مطلوبة للتعامل مع المتغيرات والظروف الطارئة والغير مُجدولة، لكن بحدود المعقول والامكانيات. في بعض الحالات، لا يجب التعامل مع الإخفاق على أنه نهاية، بل بداية لحقبة جديدة لمن يبحث عن النجاح. فالإخفاق يشكل فرصة للوقوف على مكامن الخلل والضعف، مراجعة الأهداف، إعادة النظر في كيفية سير خطة العمل وفريق العمل، اتخاد القرارات المناسبة المبنية على المصلحة العامة وبعيداً عن العاطفة والمجاملة. تغيير العقلية إما بضخ دماء جديدة، أو تبني أفكار أكثر حداثة تتلاءم مع الوضع الراهن وتخدم الاهداف، إعادة الهيكلة الإدارية إذا اقتضت الحاجة. كما ان الرغبة الصادقة في التغيير لإحداث الفارق عنصر أساسي ومهم في تحويل الأفكار الى واقع.

لا شك بأن عدم تطابق المُخرجات مع الأهداف يؤدي إلى غياب الفاعلية، فاستخدام شامبو على سبيل المثال لمكافحة القمل في فروة الرأس لا يضمن لك بناء جسم مفتول العضلات. من أهم مقومات النجاح، أن تتماشى الأهداف الموضوعة مع الاستراتيجيات المُتبعة. لذلك من الضروري ان تكون الأهداف الموضوعة وكما تسمى في علم الإدارة الحديثة "أهدافاً ذكية" من أجل المساهمة في رسم خطة عمل مُحكمة، لتحقيق النتائج المرجوة بفعالية. يجب أن يكون الهدف مُحدد واضحاً ومفهوماً ويحتوي على جميع التفاصيل لكي يساعد على توزيع المهام وسرعة الانجاز. كما يجب أن يكون الهدف واقعياً ذات صلة بالرؤية العامة للشخص أو المنشأة وقابل للتحقيق بما يتناسب مع الإمكانات البشرية المتاحة والموارد المتوفرة. فالتوازن بين الحلم والواقع امر في غاية الأهمية. كما يجب وضع إطار زمني واضح ومُحدد لتحقيق الهدف، مع الأخذ بعين الاعتبار المراحل المختلفة من خطة سير العمل. من الضروري وجود مؤشرات كمية أو نوعية لقياس التقدم ومعرفة الزمن النهائي لتحقيق الهدف.

الأهداف تَتَغير بتغير المُعطيات والمُتطلبات لكل مرحلة، فسقف الطموح يتغير مع مرور الوقت واكتساب الخبرة المطلوبة رغبةً في التطور وتحقيق الإنجازات. كما أن الطموح وحده لا يكفي لتحقيق الأهداف بدون السعي المناسب والاجتهاد. فمن غير المنطقي أن تكتفي في كل موسم بعمل ممر شرفي للمنافسين وانت بشهادة الجميع رقم صعب وتمتلك المقومات للصعود الى منصات التتويج. الطموح المشروع والرغبة الداخلية والتحلي بالإيجابية، هي محركات وعوامل اساسية تشعل من حماس الافراد والمؤسسات للمضي قدماً نحو تحقيق الأهداف المنشودة. لا شك بأن الاكتفاء بالنجاحات السابقة (العَيش في الماضي) وغياب الطموح والرغبة لا يجهضون عملية التطوير فقط، بل قد يؤدي لخلق بيئة سلبية ومُحبطة يَصعب عليها مواكبة التطورات المحيطة وتجاوز التحديات المستقبلية وبالتالي تصبح خارج دائرة المنافسة!

في الختام، احتفل أحد زملاء العمل بمناسبة شخصية سعيدة فذهبت لتهنئنه، قدم لي نوع من أنواع الحلويات الشرقية المعروفة واللذيذة فشكرته واعتذرت عن قبولها لأني اتبع حمية غدائية، فقال" ما شاء الله باين عليك! بس كم كيلو خسرت"؟ فأجبته ولا حتى كيلو واحد لأني بدئت الحمية من صباح هذا اليوم! فالتحفيز وتعزيز ثقافة الطموح بين الافراد لا يعني المجاملة المفرطة، بل صدق المشاعر اللطيفة يؤدي لنتائج أكثر فعالية. كما أن النتائج الاستثنائية لا يمكن رويئتها على أرض الواقع وتحقيقها "بين عشية وضحاها" بل بالعمل الدؤوب والاستغلال الامثل للطاقات والإمكانات وتوظيفها بالشكل الصحيح، والاستفادة من خبرات الاخرين وانتهاز الفرص والصبر وإعادة المحاولة والتوكل على رب العالمين.

ذكر عن الإمام علي عليه السلام "لا ينفع اجتهاد بغير توفيق". فان حظيت يوماَ بالتوفيق في تحقيق هدف من أهدافك، فعليك بشكر الله تعالى على توفيقه ومن ثم الأشخاص الذين ساعدوك وساندوك ودعموك من أجل تحقيق اهدافك. كما لا تنسى أن تكافئ نفسك وتحتفل بإنجازاتك ونجاحاتك حتى وان بدت تافهة وبسيطة في نظر الأخرين، فلا أحد يعلم بحجم المعاناة والتحديات والتضحيات والإخفاقات التي مررت بها الا الله عز وجل.


error: المحتوي محمي