05 , مايو 2026

القطيف اليوم

داخل النص أم خارجه

إن سؤال الأستاذة غالية المحروس لا يمر مرورًا خاطفًا على ذهن قارئ 
فقد كان أقرب إلى إصبع يلامس موضعًا خفيًّا في الروح ثم يهمس "من أين يبدأ هذا الثقل؟"
“هل نحن داخل النص… أم خارجه؟”

صياغة قصيرة ومع ذلك تربك الحد الفاصل بيننا وبين ما نقرأ.
فالنص لا يقف صفًّا من الكلمات وإنما هيئة تنعكس فيها ملامحنا

ما لا نلتفت إليه غالبًا 
أننا نحن لا نلج النصوص كما نتصور…
هي التي تتسرب إلينا

النص الصادق لا يعبر من أمامك 
فهو يتوغل فيك
ولا يكتفي بما تراه العين 
إذ يمد يده إلى زوايا تركتها معلقة 
إلى ردود خبأتها 
إلى لحظات كان ينبغي أن تقال فيها كلمة وتخرج فبقيت معلقة بين صدر وقرار 
وإلى اندفاع لو خف قليلاً لاستقرت أشياء كثيرة

عندما كتبت الأستاذة غالية "أم ساري" عن أنماط الارتباط لم تكن تشير إلى “آخرين” بقدر ما كانت تطرق مساحة داخل كل قارئ
وعندما قال السيد نزار الخباز 
“كلما ازداد العبد من ذكر الله انقشعت سحب القلق من قلبه”
كان يعيد ترتيب الاتجاه… نحو الداخل حيث يهدأ الأصل
أما عبارتي “فهم نمط الارتباط بداية التغيير…” 
فقد بدت تفسيرًا ثم اتضح أنها أقرب إلى اعتراف يتخفى بلباس فكرة

هنا تتبدل الإجابة 
لا داخل النص ولا خارجه 
نحن في تلك المسافة التي يكشفها بين ما نتصوره عن أنفسنا… وما نحن عليه فعلاً

قبل أيام في جلسة اخوية
كان أحد الإخوة يمسك هاتفه تراه يبتسم لحظة ثم يعود إلى سكون سريع
مشهد مألوف فلا شيء فيه يلفت
إلى أن دار الحديث حول “الاهتمام” في العلاقات 
فقال جملةً خاطفة كأنها لا تخصه 
“بعض الناس ما يبغاك… يبغى شعورك بس.”

ثم عاد إلى شاشته

انتهت الجملة… وبقي أثرها
لم تكن مشاركة بقدر ما كانت قطعة خرجت من تجربة - ونحن الذين ظنناه منشغلًا عنا - ولم تجد موضعًا أهدأ من هذا العبور السريع

هناك أدركت 
أن النصوص لا تفضحنا عند قراءتها بتركيز…
وتفعل ذلك عند تجاوزها كأنها لا تعنينا

عندما تبتسم لفكرة وتقول لا تحصني ولا تعنيني 
فغالبًا تمسكك من جهة لم تسمها او تعنونها بعد
وعندما يشتد اعتراضك 
فقد يكون لأن موقعك منها لم يستقر بعد
وجملة تمر دون توقف 
فقد تكون الأشد أثرًا… لأنها مرت في منطقة اعتدت على تجاوزها

الكاتب - في ظنّه - يضع فكرة
وفي العمق يفتح ممرًا

القارئ لا يقف عند التلقي 
فهو طرف في اكتمال المعنى
والنص لا يقدم جوابًا جاهزًا 
إنما يضعك أمام نفسك.

أما “القارئ الأخضر القلب” الذي أشارت إليه أم ساري
فهو حالة إنسانية نادرة 
"أن تقرأ دون دفاع 
وأن تستقبل دون استعجال تبرير 
وأن تترك الفكرة تلامسك قبل أن تبحث لها عن مخرج".

هذه القراءة لا تمنح راحة فورية 
لكنها تنضجك بهدوء.

وفي واقع تتشابك فيه العلاقات 
وتغلف فيه المشاعر بعبارات محسوبة 
تغدو النصوص الصادقة كواشف دقيقة 
لا تعالج كل شيء 
غير أنها تمنع استمرار خداع النفس

في النهاية 
فالسؤال لا يتعلق بالموقع من النص

السؤال من وجهة نظري
"كم نصًّا مر بنا… ولم نسمح له أن يقيم فينا؟"


error: المحتوي محمي