تمرّ الذكرى فلا تأتي وحدها، بل تحمل معها وجوهًا وملامح وأصواتًا لا تغيب، ويقف في مقدمتها اسم فضيلة الشيخ صادق بن الملا حسن المقيلي “شيخ القديح”، الذي رحل في عام 2025م بعد عمر امتد من العطاء سبعةً وستين عامًا قضاها بين محراب ومنبر، وبين مجلس عامر بالناس وقلب عامر بهم أكثر، رحمه الله رحمة واسعة وجعله مع الأئمة الأبرار في الفردوس الأعلى.
وُلد الشيخ صادق عام 1958م في بلدة القديح، تلك القرية الوادعة في قلب واحة القطيف، حيث تتعانق بساتين النخيل مع البيوت المتقاربة وتنبض الحياة بروح الألفة والتكافل. ففي هذه البيئة التي تُغرس فيها القيم قبل الكلمات نشأ في كنف أسرة عُرفت بالعلم والتدين، فكانت القديح له مهدًا للهوية ومصدرًا أول لملامح شخصيته.
هناك بين الأزقة والمجالس العامرة تعلّم معنى القرب من الناس، واستمدّ من طبيعة المجتمع روح التواضع وخدمة الآخرين، فشبّ وهو يرى الدين سلوكًا يُعاش لا علمًا يُحفظ فحسب. وظلّت تلك النشأة ملازمة له طول حياته، فكل ما عُرف به من بساطة في الخلق وصدق في التعامل وحرص على القرب من الله ونصح الناس، إنما هو صدى تلك الأرض التي احتضنته صغيرًا، وعاش في كنفها، وهي الأسرة الطيبة المؤمنة التي ركازها الملا حسن المقيلي، الخطيب اللامع ذو الحنجرة الذهبية، فحمل ملامحه في قلبه وسيرته أينما مضى.
فكان العلم أول ما تعلّمه، والناس أول ما أحبّه، ولم يكن طلبه للعلم طريقًا للوجاهة، بل كان وسيلة لفهم الناس وخدمتهم. لذلك حين شدّ رحاله إلى النجف الأشرف ثم إلى قم المقدسة، لم يكن يحمل همّ التحصيل فقط، بل كان يحمل هاجس الرسالة، وكيف يعود بما يتعلّمه ليضعه في حياة أهل بلده لا في بطون الكتب. فتشرّب علوم اللغة والمنطق والبلاغة والفقه والأصول والتفسير، وظلّ وفيًّا لبساطة الروح التي نشأ عليها، فلم تغيّره المكانة العلمية، ولم تصنع منه المسافات حواجز بينه وبين مجتمعه.
ومنذ شبابه عُرف بتواضع نادر؛ لم ينتظر أن يأتيه الناس، بل كان هو من يذهب إليهم، يدخل على الصبية والشباب في مجالسهم ويجلس بينهم كواحد منهم، ويسمع أكثر مما يتكلم، وينصح دون أن يشعرهم بثقل النصيحة. ولم يكن يغضب من ردود أفعالهم ولا يضيق باختلافهم، بل كان يرى فيهم مشروع إنسان يحتاج إلى احتواء لا إلى قسوة. أجل، بهذه الروح كسب قلوبهم قبل عقولهم، وصار قريبًا من جيل لطالما يصعب الوصول إليه.
واظب على صلاة الجماعة حتى صارت جزءًا من يومه لا ينفصل عنه، حيث تولّى إمامة مسجد السدرة بالقديح لسنوات طويلة، وحتى في أوقات مرضه وعلاجه كان يؤمّ المصلين. فكان الإمام الذي يشعر المصلين أنه واحد منهم لا متقدم عليهم، فصوته في الصلاة هادئ، وخشوعه حاضر، ووجهه بعد التسليم يحمل ذات الطمأنينة التي يبحث عنها كل من يقف خلفه.
أما مجلسه فكان صورة مصغّرة للمجتمع؛ لا يُقصي أحدًا ولا يضع حدودًا بين طبقة وأخرى. نعم، تجتمع فيه مختلف الأطياف وتتجاوز فيه الأعمار والجنسيات، وكأنه أراد أن يقول بالفعل قبل القول إن الإنسان يُقاس بخلقه لا بانتمائه. وكان المجلس عنده مساحة للحديث، وللإنصات، ولحل المشكلات، ولزرع الطمأنينة في النفوس.
وامتلك روحًا أدبية شفافة، فكتب الشعر الفصيح والشعبي وجعل من الكلمة وسيلة أخرى للتأثير، وكان حضوره في المناسبات الدينية لافتًا يكثر فيها شعرًا وخطابة، ومع ذلك لم يجعل لها بابًا للظهور، بل ظلّ بعيدًا عن كل ما يمكن أن يشعره بالغرور. فالمناصب لم تغيّره، والوجاهة لم تغيّره، فبقي كما عرفه الناس: ودودًا بسيطًا قريبًا، يسبقهم بابتسامته قبل كلمته.
وفي ميدان العطاء تتجلّى صورته الأجمل؛ كان يجمع الفقراء حوله كما يحيط السوار حول المعصم، في علاقة قرب لا يشعرون معها بالغربة أو الحاجة. يعطي دون منّة، ويساعد دون تردد، وكأنه يرى في حاجتهم جزءًا من مسؤوليته الشخصية. ولم يكن يردّ القليل، فإذا أعطاه أحدهم ريالًا للفقراء أخذه باحترام ووضعه في موضعه، ويوصله إلى مستحقه، مؤمنًا أن الخير لا يُستهان به مهما صغر، وأن البركة تسكن في صدق النية.
كان بشوش الوجه، رزين الأخلاق، حاضر الهيبة دون تكلف، شهماً في مواقفه، ثابتًا في قناعاته، لا تأخذه في الله لومة لائم. عرفت له القديح وما جاورها مواقف كثيرة جمع فيها بين الحكمة والجرأة، وبين اللين حين يصلح، والحزم حين يجب أن يُقال الحق.
وفي العمل الاجتماعي كان من روّاد المبادرات التي تلامس حياة الناس مباشرة، ومن أبرزها مشروع الزواج الجماعي الذي آمن به منذ بداياته وكان من مؤسسيه الأوائل. ولم يكن المشروع عنده فعالية عابرة، بل رسالة مستمرة يسانده في أوقات ازدهاره، ولم يتركه حين ضعف الحضور فيه. كان يرى في الزواج بابًا للستر والاستقرار، لذلك لم يفرّق بين غني وفقير، بل كان يقف مع من لا يجد حيلة فيدعمه ويعينه ويتمّ له فرحته كأنها فرحته الخاصة.
أما منبره فكان مدرسة قائمة بذاتها؛ لم يكن خطيبًا يعلو على الناس، بل كان ينزل إليهم ويخاطبهم على مستواهم، ويتدرّج معهم في الفهم، ويصاحبهم في تفاصيل حياتهم، ويختبر كلماته في واقعهم ويراقب أثرها في سلوكهم، ليجعل من الخطبة جسرًا بين العلم والحياة لا حاجزًا بينهما. ولذلك لم تكن كلماته تُنسى لأنها خرجت من واقع تجربته مع الناس وعادت إليهم.
وبعد رحلة مع المرض أُسدل الستار على حياة حافلة، لكن الأثر بقي ممتدًا في كل زاوية مرّ بها، وفي كل قلب اقترب منه. رحل أبا طاهر، لكن سيرته لم ترحل، وبقيت في صلاة أقامها، وفي شاب احتواه، وفي فقير أعانه، وفي بيت ساهم في بنائه. فهو من بعض الرجال الذين لا يُختصرون في أعمارهم، ولا يُقاس حضورهم بسنواتهم، بل بما يتركونه من أثر في الناس. فهذا الوجه الطاهر لا يُنسى لأنه لم يعش لنفسه، لكنه عاش للآخرين.
رحم الله الشيخ صادق رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وجزاه عن مجتمعه وأهله خير الجزاء. وفي ذكرى رحيله نرفع الأكف بالدعاء ونسأل الله أن يتقبله في الصالحين مع أهل بيت محمد وآل محمد الطيبين الطاهرين، ويجعل ما قدم من خير وعطاء نورًا له في قبره وشفيعًا له يوم لقائه. ونسألكم الدعاء له وقراءة سورة الفاتحة على روحه الطاهرة وفاءً لرجل عاش بين الناس وللناس، فبقي أثره حاضرًا في الذاكرة والقلوب.
وُلد الشيخ صادق عام 1958م في بلدة القديح، تلك القرية الوادعة في قلب واحة القطيف، حيث تتعانق بساتين النخيل مع البيوت المتقاربة وتنبض الحياة بروح الألفة والتكافل. ففي هذه البيئة التي تُغرس فيها القيم قبل الكلمات نشأ في كنف أسرة عُرفت بالعلم والتدين، فكانت القديح له مهدًا للهوية ومصدرًا أول لملامح شخصيته.
هناك بين الأزقة والمجالس العامرة تعلّم معنى القرب من الناس، واستمدّ من طبيعة المجتمع روح التواضع وخدمة الآخرين، فشبّ وهو يرى الدين سلوكًا يُعاش لا علمًا يُحفظ فحسب. وظلّت تلك النشأة ملازمة له طول حياته، فكل ما عُرف به من بساطة في الخلق وصدق في التعامل وحرص على القرب من الله ونصح الناس، إنما هو صدى تلك الأرض التي احتضنته صغيرًا، وعاش في كنفها، وهي الأسرة الطيبة المؤمنة التي ركازها الملا حسن المقيلي، الخطيب اللامع ذو الحنجرة الذهبية، فحمل ملامحه في قلبه وسيرته أينما مضى.
فكان العلم أول ما تعلّمه، والناس أول ما أحبّه، ولم يكن طلبه للعلم طريقًا للوجاهة، بل كان وسيلة لفهم الناس وخدمتهم. لذلك حين شدّ رحاله إلى النجف الأشرف ثم إلى قم المقدسة، لم يكن يحمل همّ التحصيل فقط، بل كان يحمل هاجس الرسالة، وكيف يعود بما يتعلّمه ليضعه في حياة أهل بلده لا في بطون الكتب. فتشرّب علوم اللغة والمنطق والبلاغة والفقه والأصول والتفسير، وظلّ وفيًّا لبساطة الروح التي نشأ عليها، فلم تغيّره المكانة العلمية، ولم تصنع منه المسافات حواجز بينه وبين مجتمعه.
ومنذ شبابه عُرف بتواضع نادر؛ لم ينتظر أن يأتيه الناس، بل كان هو من يذهب إليهم، يدخل على الصبية والشباب في مجالسهم ويجلس بينهم كواحد منهم، ويسمع أكثر مما يتكلم، وينصح دون أن يشعرهم بثقل النصيحة. ولم يكن يغضب من ردود أفعالهم ولا يضيق باختلافهم، بل كان يرى فيهم مشروع إنسان يحتاج إلى احتواء لا إلى قسوة. أجل، بهذه الروح كسب قلوبهم قبل عقولهم، وصار قريبًا من جيل لطالما يصعب الوصول إليه.
واظب على صلاة الجماعة حتى صارت جزءًا من يومه لا ينفصل عنه، حيث تولّى إمامة مسجد السدرة بالقديح لسنوات طويلة، وحتى في أوقات مرضه وعلاجه كان يؤمّ المصلين. فكان الإمام الذي يشعر المصلين أنه واحد منهم لا متقدم عليهم، فصوته في الصلاة هادئ، وخشوعه حاضر، ووجهه بعد التسليم يحمل ذات الطمأنينة التي يبحث عنها كل من يقف خلفه.
أما مجلسه فكان صورة مصغّرة للمجتمع؛ لا يُقصي أحدًا ولا يضع حدودًا بين طبقة وأخرى. نعم، تجتمع فيه مختلف الأطياف وتتجاوز فيه الأعمار والجنسيات، وكأنه أراد أن يقول بالفعل قبل القول إن الإنسان يُقاس بخلقه لا بانتمائه. وكان المجلس عنده مساحة للحديث، وللإنصات، ولحل المشكلات، ولزرع الطمأنينة في النفوس.
وامتلك روحًا أدبية شفافة، فكتب الشعر الفصيح والشعبي وجعل من الكلمة وسيلة أخرى للتأثير، وكان حضوره في المناسبات الدينية لافتًا يكثر فيها شعرًا وخطابة، ومع ذلك لم يجعل لها بابًا للظهور، بل ظلّ بعيدًا عن كل ما يمكن أن يشعره بالغرور. فالمناصب لم تغيّره، والوجاهة لم تغيّره، فبقي كما عرفه الناس: ودودًا بسيطًا قريبًا، يسبقهم بابتسامته قبل كلمته.
وفي ميدان العطاء تتجلّى صورته الأجمل؛ كان يجمع الفقراء حوله كما يحيط السوار حول المعصم، في علاقة قرب لا يشعرون معها بالغربة أو الحاجة. يعطي دون منّة، ويساعد دون تردد، وكأنه يرى في حاجتهم جزءًا من مسؤوليته الشخصية. ولم يكن يردّ القليل، فإذا أعطاه أحدهم ريالًا للفقراء أخذه باحترام ووضعه في موضعه، ويوصله إلى مستحقه، مؤمنًا أن الخير لا يُستهان به مهما صغر، وأن البركة تسكن في صدق النية.
كان بشوش الوجه، رزين الأخلاق، حاضر الهيبة دون تكلف، شهماً في مواقفه، ثابتًا في قناعاته، لا تأخذه في الله لومة لائم. عرفت له القديح وما جاورها مواقف كثيرة جمع فيها بين الحكمة والجرأة، وبين اللين حين يصلح، والحزم حين يجب أن يُقال الحق.
وفي العمل الاجتماعي كان من روّاد المبادرات التي تلامس حياة الناس مباشرة، ومن أبرزها مشروع الزواج الجماعي الذي آمن به منذ بداياته وكان من مؤسسيه الأوائل. ولم يكن المشروع عنده فعالية عابرة، بل رسالة مستمرة يسانده في أوقات ازدهاره، ولم يتركه حين ضعف الحضور فيه. كان يرى في الزواج بابًا للستر والاستقرار، لذلك لم يفرّق بين غني وفقير، بل كان يقف مع من لا يجد حيلة فيدعمه ويعينه ويتمّ له فرحته كأنها فرحته الخاصة.
أما منبره فكان مدرسة قائمة بذاتها؛ لم يكن خطيبًا يعلو على الناس، بل كان ينزل إليهم ويخاطبهم على مستواهم، ويتدرّج معهم في الفهم، ويصاحبهم في تفاصيل حياتهم، ويختبر كلماته في واقعهم ويراقب أثرها في سلوكهم، ليجعل من الخطبة جسرًا بين العلم والحياة لا حاجزًا بينهما. ولذلك لم تكن كلماته تُنسى لأنها خرجت من واقع تجربته مع الناس وعادت إليهم.
وبعد رحلة مع المرض أُسدل الستار على حياة حافلة، لكن الأثر بقي ممتدًا في كل زاوية مرّ بها، وفي كل قلب اقترب منه. رحل أبا طاهر، لكن سيرته لم ترحل، وبقيت في صلاة أقامها، وفي شاب احتواه، وفي فقير أعانه، وفي بيت ساهم في بنائه. فهو من بعض الرجال الذين لا يُختصرون في أعمارهم، ولا يُقاس حضورهم بسنواتهم، بل بما يتركونه من أثر في الناس. فهذا الوجه الطاهر لا يُنسى لأنه لم يعش لنفسه، لكنه عاش للآخرين.
رحم الله الشيخ صادق رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وجزاه عن مجتمعه وأهله خير الجزاء. وفي ذكرى رحيله نرفع الأكف بالدعاء ونسأل الله أن يتقبله في الصالحين مع أهل بيت محمد وآل محمد الطيبين الطاهرين، ويجعل ما قدم من خير وعطاء نورًا له في قبره وشفيعًا له يوم لقائه. ونسألكم الدعاء له وقراءة سورة الفاتحة على روحه الطاهرة وفاءً لرجل عاش بين الناس وللناس، فبقي أثره حاضرًا في الذاكرة والقلوب.



