29 , أبريل 2026

القطيف اليوم

كرامة الموظف ليست منحة إدارية

لم تعد بيئة العمل الحديثة تُقاس بعدد المكاتب ولا بجمال الشعارات المعلّقة على الجدران، بل تُقاس قبل ذلك كله بمدى احترام الإنسان داخلها. فالموظف ليس آلة إنتاج، ولا رقمًا في كشف الرواتب، بل شريك في بناء المؤسسة، له كرامة يحميها الشرع والنظام، وله حق في أن يُوجَّه دون إهانة، ويُحاسَب دون تحقير، ويُنتقَد دون أن يُكسر.

في النظام السعودي، قد لا نجد دائمًا عنوانًا مستقلًا باسم “التنمر الوظيفي”، غير أن الأفعال التي تندرج تحته ليست خارج المساءلة. فنظام العمل أوجب على صاحب العمل أن يعامل عماله بالاحترام اللائق، وأن يمتنع عن كل قول أو فعل يمس كرامتهم أو دينهم. وهذا النص يضع حدًا واضحًا بين الإدارة الحازمة والإدارة الجارحة؛ فالحزم تنظيم، أما الصراخ المهين فإساءة، والتوجيه حق، أما التحقير فمخالفة.

وتزداد خطورة الأمر حين تتحول العلاقة بين الرئيس والموظف إلى تسلط يومي: ألفاظ قاسية، تهديد، استصغار أمام الزملاء، أو ضغط نفسي يدفع الموظف إلى الاستقالة. هنا لا يكون الأمر مجرد “أسلوب إداري سيئ”، بل قد يدخل في مظاهر القسوة والجور والإهانة التي تمنح العامل حق اتخاذ المسار النظامي لحفظ حقوقه. أما الضرب، فليس تنمرًا إداريًا فحسب، بل اعتداء جسدي لا يصح أن يُدفن في محاضر داخلية أو يُختصر بعبارة “سوء تفاهم”.

ولكي يأخذ الموظف حقه، فالأصل أن يبدأ من التوثيق لا من الانفعال. يدوّن الواقعة بدقة: التاريخ، الوقت، المكان، الألفاظ المستخدمة، أسماء الشهود، الرسائل، البريد الإلكتروني، وأي قرارات لاحقة قد تحمل طابعًا انتقاميًا. وإذا وقع ضرب أو إصابة، فالأولوية استخراج تقرير طبي فورًا، ثم تقديم بلاغ لدى الشرطة أو عبر القنوات الأمنية المعتمدة، لأن الاعتداء الجسدي مسار جنائي مستقل لا تكفي معه الشكوى الإدارية أو العمالية وحدها.

ومن الناحية الإجرائية، يبدأ الموظف برفع الشكوى عبر موقع وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية، من خلال خدمة: “التسوية الودية للخلافات العمالية”. يدخل الموظف إلى بوابة الأفراد، ثم يختار خدمة “التسوية الودية - رفع دعوى”، ويعبئ بياناته وبيانات صاحب العمل وبيانات العمل، ثم يختار مكتب التسوية المختص بحسب مقر العمل؛ فالموقع يوضح أن الاختصاص المكاني يكون وفق مقر العمل ومكتب التسوية الذي يتم اختياره. بعد ذلك يختار موضوع الدعوى الأقرب للحالة بحسب الخيارات الظاهرة في المنصة، مثل: إساءة المعاملة، مخالفة نظام العمل، الحقوق العمالية، أو التعويض عن ضرر، ثم يرفق الأدلة: الرسائل، الشهود، الشكوى الداخلية، التقرير الطبي إن وُجد، وأي مستند يؤيد الواقعة.

وإذا لم تُنصفه المنشأة، أو كانت الإدارة نفسها طرفًا في الإساءة، فالمسار النظامي يبقى مفتوحًا عبر وزارة الموارد البشرية، ثم المحكمة العمالية إذا لم تنتهِ التسوية بالصلح خلال المدة النظامية. وهناك يستطيع الموظف المطالبة بحفظ حقوقه، والتعويض عن الضرر متى ثبت، وبيان ما تعرض له من إساءة أو اعتداء أو ضغط مخالف للنظام.

إن الإدارة الراقية لا ترفع صوتها لتثبت سلطتها، ولا تكسر موظفًا لتؤكد هيبتها. فالهيبة الحقيقية تُبنى بالعدل، والاحترام، ووضوح النظام. ومن يظن أن المنصب يبيح الإهانة، فقد نسي أن الكرسي تكليف لا تصريح، وأن كرامة الإنسان في بيئة العمل ليست مجاملة إدارية، بل حقٌ يحرسه النظام قبل أن تحرسه الأخلاق.


error: المحتوي محمي