28 , أبريل 2026

القطيف اليوم

بداية الحلم

لم تكن تلك مجرد صورة إعلان لجهاز كمبيوتر في الصفحة الخلفية من مجلة العربي الكويتية.

بالنسبة لي، كانت نافذة صغيرة تطل على عالم كامل لم أكن قد دخلته بعد.

كنت أفتح المجلة وأتوقف طويلًا عند تلك الصفحة.
أنظر إلى الجهاز، إلى الشاشة، إلى لوحة المفاتيح… كأنني أحاول أن أحفظ تفاصيله في ذاكرتي.

لم تكن مجرد نظرة عابرة لطفل يقلب صفحات مجلة، بل كانت لحظة تأمل طويلة في شيء لم أفهمه تمامًا، لكنني شعرت نحوه بانجذاب غريب.

كنت أطوي المجلة بعناية وأضعها تحت مخدتي قبل أن أنام.
لم تكن عادة عابرة، بل طقس صغير أكرره كل ليلة تقريبًا.
كنت أشعر أن هذه الصورة أقرب إلى حلم صغير أخفيه تحت وسادتي.

أحيانًا كنت أستيقظ في الليل، أخرج المجلة بهدوء، وأتأمل الصورة من جديد.

كنت أتخيل نفسي جالسًا أمام ذلك الجهاز، أكتب، أجرب، أتعلم، وأكتشف عالمًا جديدًا لم أعرفه بعد.
لكن الحقيقة كانت بسيطة وصعبة في الوقت نفسه:
لم أكن أستطيع شراءه.

كان سعره أكبر من قدرتي بكثير… وربما أكبر من أحلام طفل في تلك المرحلة.
وأحيانًا كنت أبكي لأن هذا الحلم يبدو بعيدًا.
كان أخي يملك ذلك الجهاز.

كنت أجلس بجانبه بالساعات، أراقبه وهو يتعلم حتى وقت متأخر من الليل.

يتنقل بين البرامج… برنامج البانر، برنامج الساعة، وبرنامج Instant Artist.
كنت أتابع كل حركة، كل نقرة على لوحة المفاتيح، وكأنني أحاول أن أحفظ كل شيء في ذاكرتي.
وفي اليوم التالي، كنت أعود من المدرسة قبله.
أجلس أمام الكمبيوتر وأحاول تطبيق ما رأيته الليلة الماضية.
أجرب… أخطئ… أعيد المحاولة… وأتعلم بصمت.
لم تكن مجرد تجربة عابرة، بل بداية علاقة طويلة مع ذلك العالم الصغير داخل الشاشة.
شيئًا فشيئًا، لم يعد الكمبيوتر مجرد جهاز.
صار فكرة تسكن رأسي، وفضولًا لا يهدأ.
وفي يوم من الأيام جلسنا مع أبي – رحمه الله – ووضعنا خطة بسيطة:
أن يدفع أخي جزءًا من ثمن الجهاز، ويدفع أبي الجزء الآخر…
وأنا أيضًا أشارك بجزء من مصروفي الشهري.
كنت حينها في المرحلة المتوسطة.
ربما لم أكن أدرك تمامًا معنى تلك اللحظة، لكنني كنت أشعر أن شيئًا مهمًا بدأ يتشكل في حياتي.
مرت السنوات بعد ذلك، وتغيرت الأجهزة، وتطورت التقنيات، وامتلأ العالم بالشاشات والبرامج.
لكن تلك الصورة بقيت في ذاكرتي كما هي.
واليوم ما زالت تلك الصورة تسكن ذاكرتي.
لم تعد صفحة في مجلة، بل ذكرى وضعتها في برواز أمامي.
كلما أنجزت عملاً على الكمبيوتر، أو قدمت شيئًا في هذا العالم، أنظر إليها للحظة…
وأقول في نفسي:

من هنا بدأ كل شيء.

Uploaded Image


error: المحتوي محمي