27 , أبريل 2026

القطيف اليوم

بين الفكرة والميدان… لا ينهض العمل بجناحٍ واحد

في كثير من المجالس، حين يطرح أحدهم فكرةً ناضجة، أو ينتقد أداءً مرتبكًا، أو يقترح حلًّا لمشكلة قائمة، يأتيه الجواب السريع: هذا هو الميدان… تفضل وطبّق ما تقول. وكأن قيمة الرأي لا تثبت إلا إذا تحوّل صاحبه إلى عامل تنفيذ، وكأن من يرسم الطريق يجب أن يكون هو نفسه من يعبد الطريق ويمشي فيه ويحمل أدواته.

هذه نظرة تختزل الحياة في يدٍ تعمل، وتنسى عقلًا يخطط. فالبيت لا يبدأ بالطوب، بل بالخريطة. والمهندس يرسم تفاصيل المنزل على الورق، يحدد المساحات، والمداخل، والمخارج، ومواقع الأعمدة، ثم يأتي البنّاء ليحوّل تلك الخطوط إلى جدران وسقف ونوافذ. ولو غاب المهندس ارتفع البناء مشوّهًا أو مهددًا بالسقوط، ولو غاب البنّاء بقيت الخريطة حلمًا مؤجلًا. فلا التخطيط يغني عن التنفيذ، ولا التنفيذ يستغني عن التخطيط.

وهكذا تجري الحياة في أكثر شؤونها. فالمعلم يشرح الفكرة، والطالب هو من يذاكر ويطبق. والطبيب يصف العلاج، والمريض هو من يلتزم بالدواء والغذاء والراحة. والاستشاري المالي يضع للأسرة طريق السلامة من الديون والأزمات، لكن الأسرة هي التي تضبط إنفاقها وتدير ميزانيتها. والمؤلف يفتح نافذة للمعرفة في كتابه، لكن القارئ هو من يقرر أن يجعل تلك المعرفة سلوكًا لا مجرد إعجاب عابر.

حتى في الرياضة، قد يضع المدرب خطة بارعة، يقرأ الملعب، ويعرف مواضع القوة والخلل، مع أنه ربما لا يجيد تسديد الكرة كما يجيدها اللاعب. ومع ذلك لا يقول عاقل إن المدرب زائد عن الحاجة؛ لأن الملعب لا يحتاج أقدامًا فقط، بل يحتاج عقلًا يرى ما وراء الحركة.

ومن أرفع صور هذا المعنى أن الأنبياء، عليهم السلام، جاءوا بالبلاغ والهداية والإرشاد، وعلى الناس أن يؤمنوا ويعملوا. والقرآن الكريم كتاب هداية وتوجيه وأحكام، يفتح للإنسان طريق الرشد، لكن الإنسان هو المكلف بالسير والعمل والاختيار. فليست كل رسالة تنفيذًا مباشرًا، وليست كل هداية حملًا للناس على ظهور أصحابها.

إن الله خلق الناس بقدرات مختلفة، ومواهب متباينة، وجعل لكل إنسان بابًا يفتح منه نفعه للحياة. فمنهم من يحسن التفكير والتخطيط والتحليل، ومنهم من يحسن التنفيذ والإتقان والعمل الميداني، ومنهم من يجمع بين بعض هذا وذاك. وليس في اختلاف المواهب نقص، بل فيه كمال العمران.

لذلك، ليس من العدل أن نسخر من أصحاب الأفكار لأنهم لا ينفذون كل ما يقترحون، ولا أن ننتقص من أهل التنفيذ لأنهم لا يضعون النظريات والخطط. فالمنظّر الصادق عقلٌ يرسم، والمنفذ الماهر يدٌ تبني، والحياة لا تزدهر بعقل بلا يد، ولا بيد بلا عقل.

والأعمال العظيمة لا تولد من الميدان وحده، ولا من الورق وحده؛ بل تولد حين يحترم البنّاء خريطة المهندس، ويحترم المهندس عرق البنّاء. هناك فقط يصبح الكلام مشروعًا، وتصبح الفكرة أثرًا، ويصبح العمل متقنًا لا مرتجلًا.


error: المحتوي محمي