يُعدّ التفقّه في الدين من أعظم الواجبات التي حثّ عليها الإسلام، لما له من أثرٍ بالغ في بناء الإنسان الصالح والمجتمع الواعي. وقد أولى الإسلام عنايةً خاصةً بهذا المفهوم، وجعل له مكانةً رفيعة، لا سيّما حين يكون مستندًا إلى المنابع الأصيلة: كتاب الله تعالى، والسنّة النبوية الشريفة.
قال تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: 122]،
وقال سبحانه: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: 9]،
وقال جلّ شأنه: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: 28].
تُنبّه هذه الآيات المباركة إلى أهمية العلم والتفقّه في الدين، إذ تربط بين العلم الحقيقي وخشية الله سبحانه وتعالى، وهي ثمرة العبادة وروحها.
ويقصد بالتفقّه في اللغة الفهم العميق، أمّا اصطلاحًا فهو الفهم الواعي لأحكام الشريعة الإسلامية وأصولها وقيمها، بما يُمكّن الإنسان من تطبيقها في حياته على بصيرةٍ وعلم. وليس التفقّه مجرّد معرفة سطحية أو حفظٍ للنصوص، بل هو إدراكٌ يثمر عملًا، ويقود إلى الالتزام بأحكام الدين، فيسير الإنسان على طريق الهداية والاستقامة.
ويُسهم التفقّه في تنوير بصيرة الإنسان، فيميّز بين الحق والباطل، والحلال والحرام، والصالح والطالح، فيعبد الله على علمٍ لا على جهل، ولا على أهواء شخصية أو ظروف عابرة.
ويشكّل التفقّه في الدين كذلك حصانةً فكريةً وروحيةً للإنسان، تقيه من الانحرافات؛ إذ إنّ الجهل بالأمور الدينية يُعدّ سببًا رئيسيًا في الوقوع في الأخطاء والانحرافات الفكرية والسلوكية. وفي المقابل، ينعكس انتشار ثقافة التفقّه في المجتمع إيجابًا على سلوك أفراده، فتسود العدالة، ويُحترم الحق، وتُصان القيم، ويقلّ النزاع والفساد والجريمة.
ولا يقتصر التفقّه على العبادات اليومية فحسب، بل يمتدّ ليشمل مختلف جوانب الحياة، ولا سيّما في مجال المعاملات كالبيع والشراء والعقود، حيث يتحقّق العدل وتصان الحقوق. كما يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالعلاقات الاجتماعية والأسرية، إذ لا يمكن بناء علاقات سليمة وناجحة إلا على أساسٍ من الفهم الديني الواعي، ومن هنا يحضر الفقه حضورًا مباشرًا في جميع شؤون حياة الإنسان والمجتمع.
ويبرز الاهتمام بالتفقّه منذ الصغر ضرورةً تربويةً أصيلة، وفق منهجٍ ديني معتدل ومتوازن؛ لأنّ العبادة الحقة لا تتحقّق إلا إذا عرف الإنسان كيف يعبد الله كما أمر، لا كما يشتهي. وقد ورد عن رسول الله ﷺ قوله: «من يُرد الله به خيرًا يُفقّهه في الدين»، وعن أمير المؤمنين علي عليه السلام: «لا خير في عبادةٍ لا فقه فيها»، كما قال عليه السلام: «قيمة كلّ امرئٍ ما يُحسنه». وقال الإمام محمد الباقر عليه السلام: «تفقّهوا في الدين، فإنّ الفقه مفتاح البصيرة»، وقال الإمام جعفر الصادق عليه السلام: «العالم بزمانه لا تهجم عليه اللوابس».
ويمثّل هذا التوجيه الإلهي والنبوي نحو طلب العلم والتفقّه في الدين خارطة طريقٍ لحياةٍ مستقيمة، يسير عليها الإنسان ليكون على الصراط المستقيم الذي ندعو الله إليه في صلواتنا: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾؛ أي صفاء العقيدة، وسلامة الفكر من الغلوّ والتشدّد، واستقامة السلوك، واستقرار العلاقات الاجتماعية على أسسٍ راسخة، مع القدرة على مواجهة الشبهات والارتقاء الروحي لنيل رضا الله سبحانه وتعالى.
وعليه، فإنّ التفقّه في الدين ضرورةٌ دينيةٌ وحياتية لكلّ مسلمٍ ومسلمة، وهو السبيل لفهم رسالة الإسلام والعمل بها، وقد أكّدت الآيات القرآنية والأحاديث الشريفة أهمية السعي الحثيث إلى هذا التفقّه، وفهم الأحكام الشرعية فهمًا صحيحًا دون إفراطٍ أو تفريط.



