الآية الكريمة ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ﴾ تشير الى نموذج من الخطوط الإدارية والتنظيمية العريضة بين الفرد والمجتمع, وكلاهما مشمولون بالحديث الشريف (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته). نريد ان نسهب في الوجه المقيت من العلاقة بين مدير منشاة ما ,مثلا وبين موظفيه, من زاوية ان الآية قادرة على استيعاب جميع افراد المجتمع لناحية ان كل فرد منهم هو واقع في إطار الادارة بطريقة او بأخرى. وكوني مشترك في حدود المسؤولية, فإنني أتوقع بل وأسعى حثيثا لان أكون مطاعا من قبل المنتسبين لي داخل زمام ادارتي وتأثيري. ومن السذاجة بمكان ان أعيش الوهم بان الطاعة المنشودة من قبل من اقودهم هي دائمًا دليل على اقتناعهم بوجهة نظري، وعليه فلا ينبغي ان أتصور ان الاتّباع هو لصيق ونظير للوعي والاقتناع. فلربما كانت هي الخشية والاستهزاء والاستخفاف, ومن هنا يقع المحذور — في كثيرٍ من الأحوال — عندما يكون الامتثال لإرشادات الراعي مندرج تحت بند السيطرة على عقول التابعين, حتى وان بدا وتمظهر في لباس الانقياد الظاهري, المغلف بلباس الاقتناع والاحترام.
هذه الحقيقة يقررها النص القرآني ويحذر منها بقوله ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ﴾. المعادلة الاجتماعية الدقيقة التي تحذر منها الآية تتمثل في “الاستخفاف” بعقول الموظفين كفعلٍ مقصود، و“الطاعة” منهم لمديرهم كنتيجةٍ حتمية لذلك الاستخفاف. واللافت في الامر ان الاستخفاف عندما يقع على من هو دونك, يفترض به ان يستوجب نتيجة عكسية في صور متعددة من المعصية والتمرد وعدم الرضى. الا ان القران الكريم يصدمك بالحصيلة الغير متوقعة للاستخفاف, وهي الطاعة المطلقة! وكأن الآية تشير الى جنبتين هنا, اما لأن الفرعون كان قد تسلط على رقاب المستضعفين فارهب عقولهم فلذلك أطاعوه مرغمين مضطرين خائفين. او لأنهم أصلا كانوا من ذوي العقول الخفاف فلم يقيموا لأنفسهم كرامة ولا وزنا, واعتادوا على ان ينعقون مع كل ناعق.
إذا هذا الاستخفاف ليس مجرد سخرية عابرة، بل هو عملية تفريغٍ ممنهج للعقل من وزنه وحكمته؛ تقليلٌ من قيمة التفكير واهميته، وإضعافٌ لقدرة الإنسان على التساؤل والنقاش والتحليل، حتى يصبح القرار خارجيًّا لا ينبع من داخل كينونة الفرد. وكأنّ مدير الشركة لا يبدأ بفرض سلطته المباشرة، بل يتولى إعادة تشكيل وعي الفريق الخدمي بما يتوافق وتوجهاته، فيجعلهم أخفّ من أن يحملوا سؤالًا، وأضعف من أن يقاوموا جوابًا, وأسخف من ان يحسنوا رئيا ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَىٰ وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾.
حين يخفّ العقل، تسهل قيادته. هذه ليست مسألة أخلاقية فحسب، بقدر ماهي قانون أقرب إلى الفيزياء. فكما أنّ الأجسام الأقلّ كتلةً أكثر قابليةً للتسارع تحت تأثير القوة الخارجية، كذلك العقول الأقلّ وزنًا — بالنظر الى المعرفة والبصيرة — تكون أسرعُ استجابةً لأي توجيهٍ صادرٍ من مدير المنشاة. فالاستخفاف هنا يُشبه تقليل الكتلة الفكرية، والطاعة تُشبه التسارع الناتج عن قوة التأثير داخل بيئة العمل.
لكن السؤال الأعمق يتمحور حول كيفية الاستخفاف بالعقول داخل المؤسسة؟
يحدث ذلك عندما تستبدل التنمية المستدامة بالإجراءات العاجلة، والفكرة العميقة بالتعميمات الخاصة، والحقيقة الرصينة بالدراسات المتسرعة. حينها يترعرع الموظف على الانقياد الاعمى بدلا من الفهم الاشمل، وعلى إرضاء الإدارة كتعويض عن التركيز على إتقان المهارة والابداع. حين تتحوّل اللغة الإدارية في المنشاة من أداة تنظيم إلى آلة تبرير، ويصبح التركيز العام منصب على "الشو" أكثر من الاهتمام بالإنتاجية الملموسة. تذكر ان الأفعال ابلغ من الاقوال, وكما قيل قديما, من قال لم يصل ومن وصل لم يقل. نحن في انتظار تلك اللحظة التي لا يعود الموظف فيها محتاجًا إلى من يُجبره على الانتاجية، بقدر ما يكفي من توجيهه لإبراز طاقاته الابتكارية.
ومن هنا نفهم دقة التعبير في الآية الكريمة, فلم يكن ذلك الأمر قسرًا مباشرًا، بقدر ما كان تهيئة داخلية متواصلة سبقت تلك الطاعة الإستخفافية. وكأنّ القابلية للاستخفاف عند مرتادي الشركة هي بمثابة الأرض الخصبة التي نبتت وترعرعت فيها تلكم الطاعة العمياء، حيث اضحى الامتثال سلوكًا تلقائيًا خاليا من مؤشرات القرار الواعي.
وفي المقابل، فإنّ محاولة التقويم لهذا المسار المعوج تنشأ من بين أروقة الشركة نفسها وهو ما يسمى بالنقد الذاتي للمنشاة, والذي لا يتحقق بالرفض المطلق لتوجيهات الادارة، على العكس تماما فانه يتطلب التركيز على إعادة ترميم “العقل المهني” للموظفين. وذلك بأن نهيئ الامكانات للموظف لكي يستعيد ثقله المعرفي، فيُحسن لغة الاستعلام قبل التنفيذ، ويفهم الغاية قبل سلوك الوسيلة، ويُميّز بين الانضباط المهني والتبعية الفكرية. فليست كل طاعةٍ إدارية مذمومة، ولكن كل طاعةٍ مسلوبة الوعي قد تكون سببا في الوقوع في الاضطراب والخطأ.
إنّ أخطر ما في الاستخفاف أنّ صاحبه "المستخف به" لا يشعر بخطورته؛ بل قد يظنّ الموظف أنّه يحسن صنعًا، وأنّ التماهي مع مدير المنشأة هو دليلُ على الاحتراف والمهنية. وهنا يبلغ الاستخفاف اقصى درجاته حين يتحوّل الإنسان من منفّذٍ مُكره إلى مُقتنع مختار، بعد ان فقد البصيرة فلم يعد يرى مخازي سوءة اعماله.
ولهذا، فإنّ معركة الوعي داخل المؤسسة لا تشرع من المواجهة المباشرة مع المدير، بل من خلال مكافحة الاستخفاف بعقول الموظفين؛ وذلك بترجيح العقل الجمعي المعرفي. وكذلك بتحصين القرار عن طريق الفهم الاعمق، وبناء القدرة على الوقوف الذكي حاجزا بين “الاستخفاف” و“الطاعة”. انها للحظةً فاصلة، ان يُقرّر فيها الفرد مساره الوظيفي, فيختار بين ان يُنفّذ الإرشادات لأنه اقتنع بها، وبين انه قد خاف من عواقب عدم الامتثال.



