12 , أبريل 2026

القطيف اليوم

معالجة فكرية وسلوكية (١)

ورد عن الإمام جعفر الصادق (ع): «مَن ذهب يرى أن له على الآخر فضلًا فهو من المستكبرين» (الكافي، ج٨، ص١٢٨).

الإنسان كائنٌ مركّب من مزيجٍ لعناصر تتداخل في بنيته الفكرية والسلوكية، ولا يمكن فهم شخصيته ودوافع تصرفاته إلا من خلال فهم هذا التداخل بين هذه العناصر وتأثيرها ومحركيتها له. فهناك مصباحٌ ينير له دروب الحياة، ويفصح له عن تعقيدات الواقع وتطلعات المستقبل وعِبَر الماضي إن أرعى السمع والانتباه والإنصات له. فهذا العقل يدرك حقائق الأمور، ولكن البعض يُعرض صفحًا عن ندائه وتنبيهاته، ويقدّم لقيادة زمام أموره هواه وشهواته، وهذا ما يفسّر وقوع الإنسان العاقل في وحل الرذائل الأخلاقية؛ إذ إنه حينها نحّى عقله جانبًا واستعاض عنه بغرائزه المتفلّتة. وهكذا يعيش الإنسان صراعًا مستمرًا بين الحركة الجوهرية للعقل المدرك والشهوات التي تعدل به عن صراط الاستقامة وترمي به بعيدًا في مستنقع الآثام والمعايب.

وبخلاف عنصر العقل المدرك والشهوة، هناك عنصر الروح المتطلعة نحو تعزيز مكانتها وبلوغ الدرجات العليا من الكمال الإنساني واكتساب الفضائل، والعنصر الرابع والأخير هو القالب لتلك الروح والوعاء لها، وهو البدن الذي يثقل الحركة التكاملية والنورانية ويمانع تطلعها نحو السماء، ويسقطها أرضًا إن استجابت النفس لكل رغباته ونزواته. ومن خلال هذا التداخل القوي والدقيق بين تلك العوامل الأربعة تتأرجح حركة النفس البشرية ومسيرة الإنسان بين السمو والصعود الروحي بعد التحلّي بالفضائل والاستجابة لصوت العقل المدرك، وبين السقوط الأخلاقي عند وقوع الإخلال في حركة القيادة وتنحية العقل جانبًا والانسيـاق الأعمى خلف الشهوات.

ولننظر إلى حركة الإنسان ومسيره المتأثّر بتداخل مزيج العناصر المكوِّنة له في مثالٍ بسيط، وهو روح التواضع أو روح التكبّر. فالعقل المدرك لا يرى لصاحبه وزنًا ولا قيمة أمام تلك العظمة والقدرة الإلهية وبديع الصنع في الكون، وهذا الفهم لضآلة حجمه وشأنه يدعوه إلى إظهار التواضع والتجلبب به في علاقته بالله تعالى والناس. فالتواضع فضيلة أخلاقية تعكس معرفة الإنسان بحقيقته أمام عظمة الله تعالى، فيتجنب التكبر ويرى نفسه عبدًا محتاجًا لا مستقلًا، وهو خفض الجناح للناس قولًا وفعلًا واحترامهم دون استعلاء، تأسّيًا بسيرة العظماء والصالحين ممن زكّوا أنفسهم وكبحوا جماحها.

كما يُعدّ التواضع مظهرًا من مظاهر كمال الإيمان؛ إذ كلما ازداد العبد معرفةً بالله تعالى ازداد تواضعًا لعباده، وهو ليس ذلًّا أو ضعفًا، بل قوة روحية تنبع من الثقة بالله تعالى والسمو الأخلاقي. وبين التواضع الذي يقرّبها من الله تعالى والتكبّر واستعلاء النفس الذي يقطعها عن الحقيقة، تبرز صفة الكِبر بوصفها من أخطر ما يهدد هذا التوازن الداخلي؛ إذ لا تُعد مجرد سلوك اجتماعي، بل هي حالة نفسية وروحية تعكس خللًا في إدراك الإنسان لموقعه الحقيقي في الوجود. فالمتكبر لا يخطئ فقط في التعامل مع الآخرين، بل يخطئ أولًا في فهم نفسه؛ فالكِبر رؤية باطنية تقوم على الشعور بالاستعلاء واحتقار الآخر ولو في أدق تفاصيل التفكير والمشاعر، لذلك كان الكبر من أعظم الحجب التي تمنع القلب من الوصول إلى نور الهداية.


error: المحتوي محمي