أن يكون لديك ابن أو ابنة في الصف الثالث الثانوي، فذلك يعني أن العائلة بأكملها تدخل في حالة استثنائية من القلق والترقب. ليس الأمر مجرد عام دراسي عابر، بل لحظة يُظن فيها أن مصير سنوات طويلة من الجهد يتوقف على قرار واحد: أي جامعة؟ وأي تخصص؟ يتسلل القلق إلى تفاصيل الحياة اليومية، ويصبح الحديث عن النسب والقبول هو سيد المجالس. ومع كل احتمال غير مُرضٍ، يتولد شعور ثقيل لدى الطالب بأن كل ما بذله طوال سنواته الدراسية قد يتبخر فجأة، وكأنه يقف على حافة هاوية لا يعرف إلى أين تقوده.
في تصوري أن هناك تصورًا شائعًا يحصر أبواب النجاح في مسار علمي معين، حتى ليُخيَّل للبعض أن فواته يعني انقطاع سائر الفرص. ولا يُلام من يفكر بهذا الشكل؛ فالمسألة تُصوَّر له على أنها مصيرية. لكن من واقع التجربة، أرى أن ما يمكن تسميته بـ(الهمة) هو العامل الحاسم في الوصول إلى النجاح. ليس المقصود أن الطريق يصبح مضمونًا لمجرد وجودها، بل إنها القوة التي تدفع صاحبها إلى الاستمرار، والتطور، واغتنام الفرص حيثما كانت. قد يعترض البعض: هل يعني هذا أن أي طريق ينجح بمجرد ارتفاع الهمة؟ والجواب: ليس الأمر بهذه البساطة، لكن الخطأ الأكبر هو الاعتقاد بأن اختيار تخصص معين كفيل وحده بصناعة النجاح. إن من أبرز أسباب التميز الوظيفي تلك الروح الدافعة التي تجعل الإنسان يعمل بإصرار لا يفتر، ويبحث عن فرص التقدم حيثما وُجدت. لذلك، فربط المستقبل كله باسم جامعة أو تخصص هو تضييق لمعنى النجاح لا أكثر. لا أنفي أهمية حسن الاختيار، لكن من لم تُتح له فرصة دراسة ما كان يتمناه، فذلك لا يعني أنه قد أخفق. فالنجاح والفشل أوسع بكثير من حدود الدراسة، وكم من إنسان لم يكن تعليمه مميزًا، ثم بلغ أعلى المراتب. وكل ذلك -بعد توفيق الله- إنما يعود إلى الجد، والمثابرة، وعلو الهمة.
ينبغي تهنئة جميع الطلاب والطالبات الذين أنهوا دراستهم الثانوية. فمن وُفِّق إلى الجامعة التي تمناها، فهنيئًا له، وبورك جهده وسعيه. أما من لم يُوفَّق، فإيّاك أن تبتئس، أو تظن أنك ذو حظ عاثر. انهض من كبوتك، وتيقّن أنك لم تفشل؛ فكما أن من لم يصل إلى ما أراد لم يخسر بالضرورة، فإن من وصل إليه لم ينجح بالضرورة أيضًا. إن النجاح أعقد بكثير من أن يُختزل في اسم جامعة أو تخصص. اعمل -يا بني- بالمثابرة، والجد، والحرص على تطوير مهاراتك، وستدرك مع الزمن أن أبواب النجاح تُفتح للمثابرين أكثر مما تُفتح لأصحاب الشهادات وحدها.



