قال تعالى: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا﴾ {طه: الآية ١١١}.
خطاب قرآني يندرج تحت مفهوم توعية الإنسان وتشييد معالم رشده وفق حقائق إلهية، فهذا المشهد القرآني يتحدث عن حدثٍ وموقفٍ مستقبلي يوم تُنصب موازين محكمة العدالة الإلهية، وتُنشر صحائف العباد؛ ليُجازى كل واحدٍ منهم دون ظلمٍ أو حيفٍ عمّا قدّمت يداه في الحياة الدنيا من أعمالٍ وأقوالٍ ومواقف. ففي مشهدٍ تنسجم معه البصيرة والإدراك الواقعي نجد الإنسان قد تخلّى من كل الأوهام والمكانات الزائفة؛ لتتجلّى الحقيقة لشخصيته وأعماله دون أن يحمل معه شيئًا من متاع الحياة الدنيا وزخارفها، فالنجاة والسقوط تدور مدار الأعمال بين الصلاح والخير أو الظلم والعدوان. فمن أراد النجاة في وسط أهوال يوم القيامة فليقدّم لنفسه من الأعمال ما يعتق به رقبته من العقوبة الأبدية، وفي هذا المشهد والمعنى المُقدَّم ترتسم معادلة النجاة والفوز وتحقيق الذات والوجود، وهي الوقوف أمام مرآة الذات ومراجعة النفس في الدنيا قبل أن يتعرّض لنفس الموقف من المحاسبة في يوم القيامة. والفارق بين المشهدين هو القدرة على تصحيح الأخطاء والرجوع إلى الرحمة الإلهية بعد محاسبة النفس في عالم الدنيا. إنها تربية قرآنية عميقة تصنع النفس القوية التي تتحمّل مسؤولية كل ما يصدر من صاحبها، ومراجعة النفس والتأني قبل الإقدام على أي كلمة أو خطوة. فالأمر لا يندرج تحت ترهيب الإنسان وملازمته للقلق والاضطراب النفسي بنحوٍ سلبي، بل هي تهيئة نفسية وفكرية تفرز توعية بحقيقة الموقف في الحياة الدنيا، وأنها دار بلاءٍ وميدان عمل، فلا ينجرف الفرد بسبب المغريات نحو حياة الفراغ وتضييع الأوقات.
ولهذه المعادلة القرآنية زاوية معرفية ترسم معالم وآثار الخضوع لله تعالى والخوف منه عز وجل، إذ إن الخشية منه سبحانه تتجلّى آثارها على سلوكيات وتصرفات الإنسان، فذلك الخوف يعني استقامةً وسيرًا تكامليًا وترفّعًا عن الرذائل الأخلاقية. وعلى مستوى العلاقات الأسرية والاجتماعية يظهر معنى الخضوع والخشية لله تعالى، فإدراك العظمة للحي القيوم واستحضارها ورسـوخها في النفس يعني مراعاة مبدأ أداء الحقوق للآخرين والحفاظ عليها، وهو ما يعني ازدياد نسبة الارتداع عن التجاوز المادي أو المعنوي على حقوق الغير. فالعبودية الحقيقية التزام أخلاقي وسلوكي ونزاهة النفس وطهارتها من الأهواء والشهوات المتفلتة، بما يعكس حضور العظمة الإلهية في ضمير الإنسان وحاكميته على تصرفاته.
واستحضار هذا المشهد القرآني يربي في النفس حالةً من التواضع واليقظة الروحية، فوهم القوة والاقتدار بسبب تحصيل بعض الأسباب والعوامل ينشأ في النفس، ولكن هذه الصورة والمشهد في يوم القيامة يخلع من النفس بلوغ القمة في الاقتدار؛ كيف وقد خُلِق الإنسان من ضعف ويحيط به في كل جوانب حياته؟ فهل رأيته في لحظات المرض أو قاهريته أمام الرحيل وحلول المنية؟
إنه سيقف في ذلك اليوم خاضعًا لله تعالى مجردًا من كل ما كان يملك في الدنيا، وهذا الإدراك يعيد ترتيب أولويات الحياة، فيجعل العمل الصالح والعدل والرحمة والتواضع أساسًا لمسيرة ومنهجية الإنسان. فالقرآن الكريم يذكّر الإنسان بحقيقتين عظيمتين: الأولى أن جميع الخلائق خاضعة لله الحي القيوم، والأخرى أن الظلم هو الطريق المؤكد للخسران يوم القيامة.


