29 , مارس 2026

القطيف اليوم

رحلة في آفاق النظم القرآني

(بين مَهانة النُّطفة وعناد الخصيم)

 لقد وقفتُ وأنا أمسك بالقلم، محاولاً العثور على نقطة انطلاق للكتابة في هذه الآية الكريمة من سورة يس، والتي يقول فيها الله عزّ اسمه: (أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ).

إن في هذه الآية عجباً، بل أعاجيب وسأقف معك أيها القارئ لنستجلي مواطن الإعجاز في هذا النظم المعجز. 
أولاً: أسرار الحروف
في مطلع الآية تجد همزة الاستفهام المتبوعة بالواو في (أَ وَلَمْ) وفي هذا هندسة بيانية دقيقة، فهذه الواو في الأصل هي واو العطف التي تربط هذه الآية بما سبقها من أدلة القدرة الإلهية في الآفاق؛ ولأن همزة الاستفهام لها حق الصدارة في لغة العرب لذا تقدمت على حرف العطف؛ لتصبح الآية استفهاماً تقريرياً وتوبيخياً في آنٍ واحد بمعنى أن تقر بما تطرحه إذ لا مجال للإنكار ثم توبيخا بعد هذا الإقرار.

ولعلك تقول: أليس من الممكن الاستغناء عن الواو واستعمال ألم؟
والإجابة قطعًا لا يمكن الاستغناء عنها -الواو- لما لها من ربط وثيق بالآيات السابقة حيث هي عاطفة ووالوصل كما يرى علماء البلاغة في هذا المورد واجب لتشريك الحكم (أعني التفكر) وكأن السياق يقول: ألم يتفكر الإنسان في عظمة الكون من حوله، ولم يلتفت أيضاً إلى آية نفسه التي بين جنبيه؟

ثم استخدام الفاء دون ثم التي تفيد التعقيب والتي لها غرض أيضا يأتي الكلام عليها في طي المراحل أدناه.

ثانيًا: الرؤية في مواطن العلم
لماذا اختار القرآن فعل (يَرَ) بدلاً من يعلم مثلا أو يتفكر أو يتدبر وكلها أفعال تناسب المعنى المجرد كما هو مقتضى الحال بدوًا؟

إن العدول إلى فعل الرؤية ينقل الحقيقة من حيز الذهن المجرد إلى حيز المشاهدة الحسية الشاخصة، فالإنسان مدعوٌ لأن يرى أطوار خلقه كأنها صورة ماثلة أمام بصره وبصيرته وهذا كثير في الأغراض البلاغية تنزيل المجرد منزلة الحَسِّي لغرض تقريب المعنى من ذهن المخاطب لما يألفه، ونظير هذا ما نلاحظه في مطلع سورة العلق في قوله عز اسمه: (اقْرأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ)

فالقراءة هنا هي (تلقي ما يوحيه إليه ملك الوحي من القرآن)

ثالثًا: طي المراحل
أو لنطرح هذا السؤال لماذا قفز البيان فوق سنين العمر؟
وليتضح لك أكثر اللفتة البيانية في الآية وهي تجاوزها لجميع مراحل النمو البشري (العلقة، المضغة، الجنين، الطفل) والقفز مباشرة من النطفة إلى الخصام وهذا الطيُّ يحمل أغراضاً بلاغية عميقة منها:
1. الربط المباشر بين النطفة المهينة والخصيم القوي يضع الإنسان أمام حجم المفارقة بين أصله المتواضع وغروره المتضخم وهذا ابراز للتضاد الوجودي
2. إن سنوات النمو لا تعدو أن تكون لحظة خاطفة بمقياس زمني إذا ما قيس أما قدرة الخالق جلت قدرته؛ فاستعمال الفاء مع إذا الفجائية في قوله: فَإِذا هُوَ يجعل المسافة الزمنية وكأنها معدومة، ويؤيد هذا المعنى قوله سبحانه في سورة النحل: (خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ)

رابعًا: ترسيخ الحجة

حين نتأمل القرآن، نجد هذا المعنى يتكرر بصور شتى ولعل ذلك لترسيخ الحجة لاحظ معي أيها العزيز هذه الآية: (أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى * ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى)
ففيها تذكيرٌ بأصل الخلق من جهة وتوبيخٌ للجاحدين من جانب آخر
وأيضا قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ)
تجد فيها العتاب الإلهي الجميل الذي يذكر الانسان كذلك بأصله.

خامسًا: الدرس الأخلاقي
إن استجلاء هذه اللمسات البيانية يمنحنا دروساً تربوية بليغة تحول النص إلى منهج حياة لسلوكنا اليومي:
1. إن الربط بين النطفة والخصومة هو علاج إلهي لمرض الغرور، فاستحضار البدايات يكسر كبرياء النفس ويمنع الطغيان السلوكي علما وعملا مما يرسخ قيمة التواضع.
2. وصف الإنسان بـ خصيم مبين يحذرنا من تحويل نعم الله إلى سلاح للمخاصمة، فالفجور في الخصومة صفة ذميمة وصفها القرآن في موضع آخر بـ (...أَلَدُّ الْخِصَامِ) وعليه لا بد من مراعاة أدب القوة والبيان.
3. تنبهنا (أولم ير) للخروج من دائرة الاعتياد لنبصر أسرار الخلق فينا، ونحول المشاهدات اليومية إلى محركات للإيمان والدهشة علها توقظ فينا البصيرة.

ختامًا أجدني عاجزا عن بيان ما يظهر من نكات علمية وتربوية وأخلاقية وبلاغية وروحية تربطنا بالمولى عز اسمه وتذكرنا قدرته وجميل صنعته، فسبحان من جعل من الضعف قوة، ومن الماء مهجة، ومن النطق حجة.

والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطاهرين


error: المحتوي محمي