يوم الإثنين، ٢٣ مارس ٢٠٢٦م، رعد قوي وبرق ومطر جيد فجر اليوم. لعلّ الذي غسل الأرض بماء المطر يغسل القلوب من العداوات.
هل لاحظت أن بعض الناس يعامل الغرباء أفضل من معاملته لإخوتِه من أمه وأبيه؟
بعض الآباء يورث الأبناء ذهبًا وفضة، أو علمًا نافعًا وأدبًا، وبعضهم يورث الأبناء عداوات تتأصل وتتجذّر مثل الأشجار العتيقة لا يبردها فرح عيد ولا حرارة فقد.
كتب الجاحظ في كتابه "الرسائل الذهبية" تحت عنوان "رسالة الجد والهزل" عن أسباب التَعادي:
"من أسباب العداوات تنافس الجيران والقرابات، وتَحاسد الأشكال في الصناعات. ومن أمتن أسبابهم إلى الشرّ وأسرعها إلى المروءة والعقل، وأقدحهَا في العرض وأَحطبها على الدين، التشاحّ على المواريث، والتنازع في تخوم الأرضين. فإن اتّفق أن يكون بين المتشاكلين في القرابة كان السبب أقوى، والدَاء أدوى. وعلى حساب ذلك إن جمعت هذه الخصومة مع الجوار والقرابة واستواء الحظّ في الصناعة.
لم يكن آباؤنا وأجدادنا يورثونَا - فقط - السمات الوراثية مثل لون العين والطول والسحنة، إنما أيضًا السماحة والكرم والمحبة، أو البغضاء والكراهية، كل واحد من الرجال يورث الأبناءَ ما كان فيه من طبع.
لو سألتَ الوارثين، لا أحد منهم يدري على الدقة لماذا وعلى ماذا العداوة! وُلد وكبر وكأنما استيقظ من حلمٍ وعلى واقع مختلف؛ واقع فيه خصام وشبّ على ذلك الخصام! كيف أحبّ من لا يحبني؟
وَظُلمُ ذَوي القُربى أَشَدُّ مَضاضَةً .. عَلى المَرءِ مِن وَقعِ الحُسامِ المُهَنَّدِ
فَذَرني وَخُلقي إِنَّني لَكَ شاكِرٌ .. وَلَو حَلَّ بَيتي نائِياً عِندَ ضَرغَدِ
كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ!
نفنى ويبقى ربنا سبحانه وتعالى فلماذا نحمّل غيرنا ما عجزنا عن حمله؟ بعض العداوات لا تقدم بل تؤخر؟ الله سبحانه وتعالى يدعو إلى المحبة والرحمة والتسامح، خصوصًا مع الأقارب فماذا نقول لأولادنا وأولاد أولادنا إذا وأورثناهم البغضاء والكراهية؟
وَلَو أَنّا إِذا مُتنا تُرِكنا .. لَكانَ المَوتُ راحَةَ كُلِّ حَيِّ
وَلَكِنّا إِذا مُتنا بُعثِنا .. وَنُسأَلُ بَعدَ ذا عَن كُلِ شَيءِّ
الأعياد وكذلك - للأسف - المآتم حيث اجتماع الأرحام للتعزية بميت فرصة لغسل القلوب كما يغسل المطر الأرض. {وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِي تَسَآءَلُونَ بِهِ وَٱلأَرْحَامَ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً}، دعوة من الله سبحانه وتعالى للاهتمام التام بأمر الأرحام.
أيها السادة: نتواصل قدر ما استطعنا، الدنيا قصيرة لأنّ وما جاء في آثار وعقوبات قطيعة الأرحام في الآخرة مخيف جدًّا. لاحظت أنه عندما تكلم النبي محمد صلى الله عليه وآله فهو حذر كثيرًا من قطيعة الرحم وأمر بالوصل. يستطيع القارئ الكريم والقارئة الكريمة أن يطلع على بعض الآيات والأحاديث التي تذكر ذلك!
ماذا يبقى في الدنيا إن ضاعت مودة الشقيق أو القريب؟



