هل لاحظتَ كيف تبادلنا رسائل التهنئة بالعيد؟ أغلبها، بل ربما كلها، رسائل قصيرة عن طريق وسائل التواصل الاجتماعي، أو في أحسن الأحوال مكالمة هاتفية!
من ذكريات ما قبل تقنيات التواصل الاجتماعي كنت أشتري بطاقات بريدية في بعض المناسبات الخاصة لأكتب فيها عبارات تهنئة ثم آخذها إلى موظف البريد، يلصق عليها طابع بريد ويرسلها. كذلك عندما كنت في الغربة كنت أنتظر في شوقٍ شديد رسائل الأهل والأصدقاء المكتوبة بخط اليد.
إن كنتَ من أبناء جيلي فأنت تعرف قيمة الرسالة الورقية. رسالة تحتاج إلى مزاج وإلى قلم حبر و ورقة ومتكأ وأهم من ذلك تحتاج إلى محرك ودافع عاطفي. كذلك أنت رأيت ساعي البريد يرتدي بزته ويحمل الرسائل في حقيبة جلدية.
رؤية ساعي البريد في ضحوات النهار وهو يحمل رسالة، من قريب أو صديق، كانت مفاجأة جميلة جدًّا. أختفى ساعي البريد أو أجبر على الاختفاء من حياتنا. أتذكر أن في جزيرة تاروت كان البريد قديمًا يأتي في أحد دكاكينها فمن المحتمل أن تضيع الرسالة، أو تتأخر كثيرًا، قبل أن تصل إلى صاحبها!
الآن كم رسالة قصيرة وعابرة نكتب في اليوم؟ في الساعة؟ أصبحت السرعة سمةً واضحة في كل شيء؛ في الرسائل، في المشاعر، في الأكل، في المحبة، عدّ ما شئتَ فهو أصبح أسرع من الماضي.
كنا نأخذ وقتنا. نكتب الرسالة بأيدينا، بقلم من الحبر، نُدبجها ونُطرزها كلمةً كلمة قبل أن نطويها بكل روية في ظرف يطير بين البلدان ويحط في يد تنتظره. نكتب الرسالة بأناة وروية، يحملها ساعي البريد على قدميه إلى شخص في مكان بعيد ينتظرها، لا يعرف متى تصل وما تحمل، يفتحها بترقب، يتمعن فيها كلمة بعد كلمة وتبقى تذكارًا بعد قراءتها. تقرأ الرسالة فتشعر بنبض الكلمات التي اختصرها كاتبها لأنه يريد أن يقول ما هو مهم في ورقة محدودة المسافة.
الطابع الملصق على الرسالة له قيمة، تجد من ينزعهُ بعناية ويحتفظ به. بعض الأصدقاء كانت هوايتهم المراسلة وجمع طوابع البريد!
مضت السنوات وماتت الرسائل الشخصية لأن تكنولوجيا التطبيقات أكثر عملانية وتوفر الوقت والجهد والمال. لكنها مقابل ذلك أخذت الكثير من الصبر والمتعة وحلاوة الكلمات.
أكاد أقول جزمًا أن وسائل التَّواصل الاجتماعي نجحت إلى حد بعيد في القضاء على أدب الرسائل. لم يعد يوجد مكان لألم البعد ولوعة الفراق. شبيك لبيك حبيبك بين يديك بالصورة والصوت في أي مكان من العالم تسمعه وتراه.
أخبرك الحقيقة: عندما تكبر تصبح تقارن بين الأمس واليوم، بين الماضي والحاضر، فترى في الماضي ما هو جميل وفي الحاضر كذلك. لكن بعض الأشياء، مثل رسائل المسافر، كانت أكثر من قلم وحبر وورقة. كانت مشاعر دافئة وتذكار وجسور محبة ربما ذهبت ولن تعود!



