22 , مارس 2026

القطيف اليوم

بيتٌ على شارعين ومصيرٌ محتوم

لا أُفضِّل الحديث بأسلوب الواعظين، غير أنّي أجدني –مع يقيني بفناء هذه الحياة، وأن الآخرة خيرٌ وأبقى– أُحسن شؤون الدنيا، ولا أبذل من العناية لبناء آخرةٍ لا ينقضي عمرها ما أبذله لها. ولعل زكاة الفطرة وثوب الإحرام شاهدان على ذلك؛ كم نسأل: الفطرة؛ كم كيلو من الأرز؟ وكم مقدار الحق الشرعي فيه؟ أسئلة لا تنتهي في هذا السياق، وكل هذا الحرص مردّه أن مقدارًا يسيرًا يُدفع هنا ليصحّ العمل. ويبقى السؤال: هل المطلوب صحةُ عملٍ واجبٍ فحسب، دون ما سواه؟ وهل يمتد هذا الحرص من زكاة الفطرة وحِلِّية ثوب الإحرام إلى سائر الواجبات؟ ثم: لو كان الأمر دنيويًا يتعلق بالعمل مثلًا، أكنّا نرضى أن يكون أداؤه بهذا الضعف؟ أم نؤديه بإحكام، لا بأسلوب من يطلب النجاح على الحافة؟!

نحن -بطبيعتنا- نُحسن التخطيط لما نظنه يحقق لنا السعادة؛ نحسب، ونحتاط، ونراجع خطواتنا مرارًا. وهذا مفهوم حين يكون الحديث عن مستقبل نراه قريبًا. غير أن المفارقة التي أراها في نفسي أولًا: أن سنوات محدودة تستأثر بكل هذا الانشغال، بينما ما بعدها -على خلوده الذي لا يُقاس- يظل أقل حضورًا في هذا الحساب. تأمل حال من يسعى لبناء بيت. انه يسعى ليكون بيتًا على شارعين، واسع المساحة، مطل على بحر جميل؛ يبذل لأجله المال والوقت، ويُحسن التخطيط في كل تفصيل، لأنه يرى فيه استقرارًا يستحق هذا العناء. ثم لا يسكنه إلا سنوات معدودة، قبل أن يُزف على أكفّ المشيعين إلى حياة أطول بما لا يُقاس. ليس العجيب أن يُبذل هذا الجهد كله لأجل بيت كهذا؛ العجيب أن لا يُنقل هذا القدر من العناية إلى بناء حياةٍ هي أبقى وأدوم بما لا ينتهي من السنوات!

يمكن للإنسان أن يدفع الملايين لتحقيق أولوياته لتأمين مستقبله وهو مطمئن إلى قراره، لأنه يرى أثره القريب. لكنه قد يُؤخر حقًا ثابتًا، أو يتساهل في تصحيح معاملة، مع أن أثرها أبقى وأشد حضورًا. وليس منشأ هذا التفاوت تعقيد المسألة، بل اختلاف ما استقر في النفس من إيمان ومن أنه أولى بالعناية: ما يُرى أنه أساس الاستقرار يُقدَّم، وما يُظن أنه مؤجل يُؤخر.

وقد أحسن الشيخ حسن الدمستاني رضوان الله عليه حين قال:

خُـذْ رُشْدَ نَفْسِكَ مِنْ مِرْآةِ عَقْلِكَ
لا بِالْوَهْمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَغْتَالَكَ الأَجَلُ

فَالْعَقْلُ مُعْتَصِمٌ وَالْوَهْمُ مُتَّهَمٌ
وَالْعُمْرُ مُنْصَرِمٌ وَالدَّهْرُ مُرْتَحِلُ

يَا مُنْفِقَ الْعُمْرِ فِي عِصْيَانِ خَالِقِهِ
أَفِقْ فَإِنَّكَ مِنْ خَمْرِ الْهَوَى ثَمِلُ

أَنْفَاسُ نَفْسِكَ أَثْمَانُ الْجِنَانِ فَهَلْ
تَشْرِي بِهَا لَهَبًا فِي الْحَشْرِ تَشْتَعِلُ

تَشُحُّ بِالمالِ حِرصًا وَهُوَ مُنْتَقِلٌ
وَأَنْتَ عَنْهُ بِرَغْمٍ مِنْكَ تَنْتَقِلُ

ولعل أعجب ما في الأمر: أننا لا نجهل الحقيقة، ولكننا لا نُعاملها بما تستحق.


error: المحتوي محمي