بداية، ثمة وجع عميق يسكن روحي ويدفعني للكتابة الاستثنائية التي داهمتني، ولعلها تمتص وجعي! كامرأةٍ أحسائية شارفت على الإنسانية منذ عمرها، وعطاؤها من نخيلٍ يمتد على أفقٍ لا تغيب عنه الشمس. هي العطاء رغم تعب السنين، والتي تكاد تلف نفسها بعباءة النبل كي لا تُشم منها رائحة التعب والعناء، هكذا علمتها الليالي طوال السنين. هذه هي السيدة الفاضلة الراحلة مريم محمد زيد بوحليقة أم جمال الغانم.
لا زلت أتذكر ذات نهار، ومنذ 16 عامًا في بلدة المنصورة بالأحساء، كنت في مهمة تعليمية، وكنت حينها أسكن في منزل أم أحمد السلطان فترة التدريس، وإذا بسيدة فاضلة لا أعرفها تدق الجرس وتخبرني أن أنزل لعدم قدرتها على الصعود، وإذا هي تقدم لي وجبة طعام قائلة: أنتِ ضيفة عندنا هنا وعلينا ضيافتك! لا زال الموقف الحاتمي في ذاكرتي ووجداني! وتوالت المواقف النبيلة مع هذه السيدة التي رحلت يوم الثلاثاء عن الدنيا، وكأن السماء شاءت لها أن تحيي العيد مع الملائكة. ولقد أوجعني خبر وفاتها بعد شهور عديدة من المعاناة، نعم رحلت تلك السيدة الخلوقة صاحبة القلب الكبير واليد البيضاء والأثر الطيب أم جمال الغانم، ولا أبالغ لو قلت كأن نخيل الأحساء قد أعلنت الحداد لرحيلها.
هناك سؤال يفاجئني لم أجد له إجابة شافية: هل ينبغي الكتابة عن شخص عند الفقد والرحيل فقط؟ ولماذا لم أكتب عن هذه السيدة في حياتها لتقرأه ولتستشف الجمال في شخصها؟! سؤالي هذا يستدعي رائحة تلك الأيام الصعبة التي عاشتها لتقف مع زوجها وتسانده، وكأنها الجندي المجهول. وقفت الراحلة أم جمال ذات مرة بفخر في إحدى محاضراتي في منزلي بعنوان “الزواج الناجح”، وذكرت كيف كانت دومًا تعد الطعام لعدد كبير من العمال الذين يعملون لدى زوجها! وعقبت على ذلك أن سر نجاح الزواج هو الإيثار والتضحية والدعم، وما ذكرته المرحومة حينها يفوق فكرة المحاضرة. فالحديث عن الفاضلة أم جمال قد أيقظ معنى الحرف بداخلي.
وذات مرة استضافتني في منزلها، ومن بين الحكايا أخبرتني بأن أبناءها قدموا لها هدية عيد الأم متمثلة بغرفة نوم فاخرة، فما كان منها إلا أن تتبرع بها لعائلة محتاجة، وحكايا كثيرة على هذه الشاكلة.
وأخيرًا، أتقدم بتعازي ومواساتي وبصدق إحساسي للجميع من الأهل والأقارب من عائلتي بوحليقة والغانم الكريمتين، حيث من المؤكد أن المرحومة ستكون ضمن من ستحتفظ بهم الذاكرة الإنسانية العميقة، والتي ثقلت بقائمة الراحلين. والفاتحة على تلك الروح النقية التي شاءت أن تسبقنا إلى هناك حيث الجنة مع ملائكة السماء. يعجز قلبي قبل قلمي، فلم يجد تلك الكلمات التي توفي قدر المرحومة أم جمال. راجيةً لمن يقرأ عمق مشاعري أن يقرأ سورة الفاتحة على روحها، ولكم الأجر والثواب.



