14 , مارس 2026

القطيف اليوم

لن أنكسر!! قصة قصيرة

بعد طول غياب دام عدة سنوات، عاد وحيد إلى الديوانية التي اعتاد الحضور إليها ومجالسة مرتاديها؛ الأصحاب وما أكثرهم، الذين يهشون في وجهه مبتسمين، ولكن ما تلبث ابتساماتهم أن تتحول إلى زبد يرغي. وهناك من الأصدقاء الذين كان يظن بقربهم منه، سرعان ما يفتقد حضورهم عند الحاجة إليهم، ورغم قلتهم إلا أنهم يظلون يحملون صفة الصداقة إلى أن يحين وقت اختبارهم، ومن الأفضل ألا يختبرهم، فالنتيجة محسومة بالنسبة إلى وحيد.

فهناك من ينفر منه لسبب غير واضح، أو أحيانًا لنصف سبب، وهناك من ينقلب عليه أو يتقلب على وجهه. أنصاف أصدقاء يمكن التعايش معهم، فطالما بقيت الديوانية المكان الوحيد الذي ألفه وتعايش مع مرتاديه. تعود المجيء إليها منذ سنين صباه وشبابه المبكر، حتى قرار تركه لها، والذي استمر سنوات لا يذكر عددها. كان تركه لها باختياره المحض، حيث فضل الانزواء طوعًا واقتصر علاقته بزملاء العمل ورعايته لوالدته المريضة.

استمر به الحال حتى رحيل أمه عن الحياة بعد معاناة طويلة من المرض والوهن النفسي والجسدي، فقرر وحيد استئناف العودة إلى الديوانية، وهو ممزق بين الحماس والخوف والتردد، وبنصف كيانه النفسي والمزاجي، أو ربما بأقل من ذلك، راسمًا في مخيلته عدة تصورات للاستقبال.

فلم يرفع سقف توقعاته، لكنه كان يأمل في داخله أن يكون استقبال أصدقائه له حارًا، غير أن ذلك الأمل لم يرق إلى اليقين؛ لأنه وضع احتمال أن لا يكون كذلك. فربما يكون استقبالهم له دافئًا أو باردًا، أو حتى بلا استقبال. وأضاف إلى تلك التوقعات تصورات معاكسة، فربما سيبدي بعضهم استنكارًا لهذا الرجوع غير المتوقع، أو أن يكون من المنسيين.

هي مجموعة هواجس اعتصرت جميعها لتشكل رؤية ضبابية لما سيكون عليه الحال، إلا أن تلك الهواجس سرعان ما تبددت حينما وطأت قدماه تلك الديوانية التي رآها قد تغيرت جذريًا، وأصبحت أكثر رحابة وأجمل رونقًا، وتزينت بمصابيح زاهية، وأعيدت هندستها لتصبح أكثر عصرية وجاذبية، وأضيفت إليها نقوش جدارية بطريقة الفن المغربي، وأعيد توزيع إضاءتها، ورصفت بنوع من الرخام الأنيق، حتى بدت وكأنها صالة أفراح مميزة.

لقد أذهل وحيد العدد الكبير من الناس؛ وجوه بدت له معروفة وبعضها غريب، لكنهم جميعًا ينتمون – حسب لهجاتهم وطريقة تعاملهم – إلى روح وأصالة المنطقة. فقد كانت كلمات المجاملة اللطيفة هي السائدة، وروح البهجة والدعابة وحرارة الاستقبال هي ما كان يميز الحضور، حتى إنه صار يحدث نفسه معاتبًا عن الوجل الوهمي الذي كان يساوره قبل المجيء إلى هنا.

تأمل المكان الذي أصبح أكثر اتساعًا، وابتهجت نفسه المكتئبة. صار وجهه القمحي أكثر نقاوة، واتسعت حجرتا عينيه البنيتين، وزالت عن كفيه رطوبة القلق وحل محلها الدفء والسكينة. رائحة البخور تفوح من جميع أرجاء الديوانية مما أضاف إلى جوها رونقًا وجمالًا.

لفت نظر وحيد ملابس الحاضرين الزاهية، وطريقة ارتدائهم للغتر والأشمغة العصرية. كان منظرهم وهيئاتهم يضيف للمكان تألقًا، ويضفون عليه ألفة ورونقًا من الجمال. فكانت الوناسة والابتسامة تعلو وجوه كل من صادفهم وهو يشق طريقه بين جموع الحاضرين، حتى إنه شعر للحظة وكأنه في عالم من الأحلام الجميلة.

أخذته الذكريات إلى أيام الطفولة البريئة حينما كان يسبح في عوالم منسوجة من الخيالات الوردية وأحلام اليقظة المرسومة من قصص الجدات والأمهات، ولكن ما يراه الآن حقيقة لا تخطئها العين؛ مشاعر متدفقة من الود، مصحوبة دائمًا بابتسامات رقيقة كانت تغدق عليه بكرم كبير من الحاضرين، وبالأخص من المعارف القدامى الذين لم يلتق بهم منذ مدة طويلة.

ابتدأ بعض معارفه بمصافحته والسؤال عن أحواله، لكن مصافحته لم تقتصر على معارفه أو رفقاء الديوانية القدامى، بل شمله الترحاب من عدد كبير من الحضور، وكأن عدوى السلام عليه أصابت الجميع. حتى إنه شعر بالارتباك، غير أن طابور الناس من المصافحين جعله يتماسك.

لم يعد السلام والترحاب مقتصرًا عليه، بل شمل الواقفين معه في الصف. وعندما رأى الواقفين على جنبيه يقومون بالتحية على أكمل وجه، ازدادت شهيته لمضاعفة الترحاب ورد التحية بأفضل منها، حتى إنه صار يبادر إلى احتضان الأشخاص الذين يبادلونه التحية.

يقابلهم بطيبة قلب وطهارة نفس، وبحرارة تنم عن مشاعر التقدير والاحترام، ويضيف إلى حرارة المصافحة نظرات لطيفة مصحوبة بمشاعر الود والتقدير التي ميزته عن بقية الواقفين. وبينما كان يتأمل الحضور، وجد نفسه وقد انتظم في صف من الناس الذين يعرف بعضهم منذ زمن بعيد، أما البقية فكانوا من الشباب اليافعين الذين وجدوا صدفة ليتعرفوا على بعضهم.

عندما وجد وحيد نفسه بين عدد من الناس هكذا وبدون مناسبة، ظن أن عادة جديدة استحدثت، حيث بدأت أعداد من الحضور تمر للسلام عليه وتحيته. صحيح أنه لم يعرف السبب الحقيقي لهذا الاصطفاف، ولماذا أصبح فجأة مع هذه المجموعة التي لا تربطه بهم علاقة، لكنه أخذ يتساءل بدهشة بينه وبين نفسه عن سبب كل هذا الاهتمام بشخصه.

“لماذا كل هذا الاهتمام بي؟”
ازدادت دائرة تساؤلاته ودهشته. “إنني لازلت ذلك الإنسان البسيط، أملك سيارة قديمة ظللت نوافذها بشرائح معتمة حتى لا يعرف الأحبة والوجهاء أنني لا أملك سواها!”

سيل من التساؤلات المفتوحة يحوم في ذهنه دون توقف، يحاول الهرب منها ومن الأفكار المختلطة، إلا أن تلك التساؤلات لم تتمكن من الوقوف في وجه حماسه واندفاعه صوب جموع الناس.

من كثرة الأعداد التي ملأت صالة الديوانية، لم يتمكن وحيد من النظر إلى ما بعده ولا ما قبله، ولم ينتبه أيضًا إلى أن الذين يقفون في الصف أصبحوا مثله يحظون بالتحية الحارة وتلقي التهاني.

ومع تزايد أعداد الناس المرحبين انتابه بعض الملل، حتى راودته فكرة التخلص من هذه المجاملات التي لا نهاية لها والإفلات من العناق والمصافحة، لكنه تراجع عن الفكرة، فقد افتقد هذه النفوس الطيبة فترة طويلة من حياته، وها هم الناس يكرمونه بمحبتهم ويغمرونه بدفئهم.

وفجأة لمح بين الجموع خصيمه القديم سعود، الذي خاصمه منذ طفولته دون سبب واضح. كان عنيفًا في عدائه له، يسخر منه كلما رآه. لم يكن يتوقع وحيد أن يراه في هذه الديوانية، لكنه اقترب منه ليصافحه، وعلى شفتيه ابتسامة لم يعهدها.

مد وحيد يده بحرارة، ونظر إليه بعينين ممتلئتين بالصفح، غير أن سعود مال على أذنه هامسًا بسخرية:
“هؤلاء الناس الذين تراهم أمامك أتوا للسلام على الدكتور أمين الذي أصبح رئيس شركة الرمال الناعمة… فما دخلك أنت؟”

أصابت الكلمات وحيد بالتلعثم والارتباك، وشعر أن الدنيا تميد به قليلًا.

وعندما أدرك حقيقة ما يجري حوله، وأن هذا الحفل لا يخصه، قرر الانسحاب بهدوء، لكن الشيخ أمين لمح ارتباكه، فتقدم نحوه وأمسك بيده، ثم تناول الميكروفون وقال للحاضرين:

“هل تعلمون أيها الحضور الكريم أن نجاح هذا الحفل يعود إلى حضوركم ومحبتكم… والفصل الثاني يعود إلى محبة هذا الأجودي الذي يقف بجواري، زميلي في المرحلة الابتدائية وحيد.”

توردت وجنتا وحيد خجلًا.

وعندما استقر خلف مقود سيارته القديمة، كانت نظرات السخرية التي أطلقها سعود لا تزال عالقة في ذهنه. جلس في سيارته المتهالكة متلمسًا طريق العودة إلى منزله المهجور، وقال لنفسه بصوت خافت:

“أطفئ هذا المصباح اللعين، وعد إلى فراشك الأرضي، وواصل نومك فوق تلك الوسادة المبللة بالدموع… فهي أكثر من عرفك في هذا العالم. وإياك أن تظهر ضعفك أمام الآخرين.”

لكن في أعماقه كانت كلمة واحدة تتردد بصمت:
لن أنكسر.


error: المحتوي محمي