13 , مارس 2026

القطيف اليوم

الرجل الذي لم يترك ليلة القدر.. الحاج مهدي حبيب سليم.. قلبٌ جاء إلى بيت الله رغم تعب الجسد

ها هو المطر قد توقّف…
كأنّ السماء أعلنت لحظة سكونها لتفتح أبوابها لدعوات القلوب.
الهواء مشبعٌ برائحة الأرض المبتلّة، وتلك الرائحة العتيقة التي تشبه بداية الدعاء.
اتجهتُ بخطاي نحو مسجد العلامة الشيخ علي المرهون،
المسجد الذي تختزن جدرانه ذكرياتٍ لا تشيخ.
كم مرّت علينا ليالٍ مباركة هنا،
حين كان الشيخ علي المرهون يؤمّ المصلين في مثل هذه الليلة.
كانت الطرقات المحيطة بالمسجد تضيق بالمصلين،
والقلوب تتسع للخشوع.
كانت الأجواء تفوح بروحٍ من الألفة والسكينة،
وصوته الروحاني وهو يحيي أعمال ليلة القدر
كان يخترق القلوب قبل الآذان.
قلت في نفسي وأنا أمشي:
مضت سنوات…
والمسجد لا يزال حيًّا بهذا البرنامج المبارك،
لكن في كل عام يرحل رجلٌ من رجاله.
رجالٌ كان حضورهم بركة…
رجالٌ لم يكونوا مجرد مصلين،
بل أعمدةً صامتة لهذا المكان.
عرفوا طريق المسجد كما تعرف الأقدام طريق البيت،
وحملوا في قلوبهم حبّ العبادة وخدمة هذا الصرح الديني،
حتى صاروا جزءًا من ذاكرته.
قفزت إلى ذهني صورة الحاج أبو صالح سليم.
ذلك الرجل الذي أنهك المرض جسده،
فأقعده في منزله.
صار حضوره إلى المسجد يقتصر على يوم الجمعة،
وأحيانًا يعجز الجسد حتى عن ذلك.
تساءلت في قلبي:
ترى… هل سيحضر هذه الليلة؟
واصلت طريقي.
وكان طريق المسجد لا يزال يحتفظ بتلك السكينة القديمة،
كأن خطوات العابدين عبر السنين تركت فيه أثرًا لا يزول.
اقتربت من المسجد…
وكان قد بدأ يمتلئ بالمصلين.
كلّ واحدٍ يحمل مصحفه،
يتهيأ لقراءة سور العنكبوت والروم والدخان.
دخلت المسجد…
فوقع بصري مباشرة على تلك الزاوية
التي اعتاد الحاج أبو صالح أن يجلس فيها على كرسيه المتحرك.
لكنها كانت خالية.
تسلل الحزن إلى قلبي.
وكأن صوتًا خفيًا قال لي:
لا تيأس… انظر جهة اليمين.
التفتُّ ناحية اليمين…
فإذا به هناك.
جالسٌ على كرسيه المتحرك.
اقتربت منه مسرعًا،
سلّمت عليه،
وقبّلت جبينه.
إنه هو…
الحاج أبو صالح.
كان يجلس بهدوءٍ عجيب،
كأن السكينة اختارت أن تسكن ملامحه.
في وجهه سنواتٌ من الصبر،
وفي عينيه ذاكرةُ أيامٍ مضت بين كدحٍ وعطاء.
ذلك الجيل الذي علّمنا
أن الحياة ليست سرعة الخطى…
بل ثبات القيم.
جيلٌ سار طويلًا في دروب الحياة
حتى تعب الجسد،
لكن القلب بقي عامرًا بالحكمة والتجارب.
فالجلوس على هذا الكرسي ليس ضعفًا…
بل استراحةُ محاربٍ
قطع طريقًا طويلًا في ميادين العمل والعبادة.
أمسكتُ يده…
وشعرت أن هذه اليد
كانت يومًا تبني وتعمل في هذا الحي،
وتصافح الرجال في ساحات الخير.
قلت له مبتسمًا:
الحمد لله أني وجدتك هنا.
رفع رأسه نحوي،
وقال بصوتٍ أثقله المرض
لكن أضاءته العزيمة:
يا ولدي…
هذه الليلة لا يمكن أن أدعها تمرّ
دون دعوة…
ودون دمعة…
ودون مناجاةٍ مع الله.
ثم سكت قليلًا،
وقال بنبرةٍ تفيض يقينًا:
إنها… ليلة القدر.


error: المحتوي محمي