أظل أتذكر ألم الأمس الذي رافقني منذ الفطام.. مشواري في الحياة بدأ بالألم، وتغذّى منه، وعانى في سبيله، لقد قاسيتُ أشد القسوة من أشرس اعتلال، وأنبت هذا الألم في نفسي غرسة التحدي، لا الاستسلام، طمعًا في أن يكون غدي خيرًا من أمسي، والشخص القوي لا بد أن يتذكّر ماضيه، بسرائه وضرائه، يستلهم منه العبرة، ويتزود بالعزم!!
هكذا بدأت عندما كنت صغيرًا.. طفولة غلب عليها الألم والمعاناة.. عرفت من خلالها ماهية الموت.. حدث مؤلم ما زال عالقًا في ذاكرتي، منظر أخي وهو مُسَجًّى أمام عيني وكأنه نائم، شكل الموت سبب لي صدمة هزت كياني، لقد مات أخي في عمر الـ6 سنوات، وبعد سنوات ماتت أختي بنفس الاعتلال، أليس كل هذا مؤلمًا؟!
سأظل أتذكر ألم الأمس الذي كتبه الله لي، وأحمده قبل كل شيء وبعد كل شيء أن أبقاني حيًا كي أشهد من المنافع والنعم ما لم أحلم به في الصغر، نعم بالحمد والشكر لله عز وجل ما عرفت للألم ضدًا، وقد تعلمت منذ الصغر أن الألم لا يعرف إلا بضده، ولا يحلو هذا الضد إلا بعده، وأحمد الله أن أنعم عليَّ بواسع فضله ومنحني الحياة والاستمرار في رحلة العمر!!
اليوم.. وفي رحلة العمر المتناهية السرعة قد وضعت حياتي على منعطف جديد في عالم جديد ومدهش.. أقدم تجربتي المثخنة بالتحديات كخارطة طريق، وأسدي لكل من يعاني من هذا الاعتلال نصائح وتوصيات، وأملي أن تشكل إطارًا لمن لديهم هذه الطفرة الجينية، وهم حصيلة لا بأس بها من مصاب وحامل للجين، وأيضًا اطلاعكم على طبيعة الاعتلال، وكيفية انتقاله، والأشياء التي نبتعد عنها، والوسائل المستحدثة للوقاية منه، وسبل استخدامها على نحو صحيح، مع التأكيد على الدور الغذائي والسلوكي في إبعاد نوبات الألم.
عندما يكون الجنين في الرحم، يتم إنتاج هيموجلوبين من نوع خاص بالأجنة، وهذا النوع من الهيموجلوبين لا يساعد على نشوء الخلايا المنجلية، ولكن بعد ولادة الطفل بفترة قصيرة يقوم الجسم بصناعة نوع آخر من الهيموجلوبين يدعى هيموجلوبين البالغين، وهو يؤدي إلى الإصابة بالمرض عند الأشخاص القابلين للتأثر به.
هذا الاعتلال الذي انتشر في أفريقيا الاستوائية وبعض الشعوب في حوض البحر الأبيض المتوسط وشعوب أمريكا اللاتينية وفي منطقتنا، وسبب لنا أحزانًا وآلامًا وخسائر في الأرواح، وفقدان المرضى بسببه الإحساس بالحياة.
شكّل المرضى عبئًا مستمرًا على أسرهم، زادت همومهم ومعاناتهم، وأضعفهم وسلب راحتهم، وهم يشاهدون فلذات أكبادهم يصرخون ويستغيثون من الوجع والآلام المبرحة والنوبات الحادة، وهم بحاجة للمساعدة والرعاية الصحية من أجل تخفيف أوجاعهم.
والسؤال الذي يطرح نفسه: ماذا نقدم لأطفالنا في تلك اللحظات الحرجة؟
لا شيء سوى الذهاب إلى الطبيب من أجل تسكين الآلام، والمعلوم أن بعض المسكنات لا تكتفي بتسكين الآلام، وإنما تعطي شعورًا قويًا بالراحة والنشوة كخواص إدمانية معروفة، فلكم أن تتخيلوا مدى خطورة تلك المسكنات أو المهدئات من جرّاء التعود على تناولها وزيادة جرعاتها.
وهكذا هو الألم والعذاب في أبلغ صورة.. حين يصبح الموت أمنية المريض فلا يجده.. وأعتقد أن أصعب شيء قد يمر به مريض فقر الدم المنجلي وهو في أقسى نوبات الألم أن يطلب ويتمنى الموت فلا يجده.. ما أصعب على النفس ألا تجد حتى الموت!..
وللحديث بقية.



